سفـــر يوئيل - منتدى روم صوت الكتاب المقدس بالبالتوك

للتبرع أون لاين  اضغط   

آخر 10 مواضيع
قصة مؤثرة جدا ..           »          من فضلك لا تكلمنى عن المسيح بل اجعل المسيح يتكلم فيك           »          اكتشف حالتك الصحية من خلال اظافرك           »          مراض الاظافر وانواعها بالصور , وصفات وطرق علاج الاظافر المتشققة من الفطريات و           »          فوائد الثوم على الريق لعلاج اكثر من 32 مرض فى اقوى موضوع على الانترنت           »          اجمل التهانى القلبية بمناسبة عيد الشكر           »          اجمل التهانى القلبية بعيد ميلاد مينا           »          اجمل التهانى القلبية بالمولود الجديد يشوع مينا           »          ايات اقوال من الكتاب المقدس           »          ايات اقوال من الكتاب المقدس



إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-22-2013, 12:48 AM
bible_book_two bible_book_two غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 10,957
افتراضي سفـــر يوئيل

سفـــر

يوئيل
يوئيل هو نبى يهوذا وأورشليم 0 وهو في هذا يختلف عن هوشع الذى اختصت نبوته باسرائيل وأن لم يستبعد يهوذا من دائرة رؤيته 0 والدليل على ذلك نجده في الأصحاح الأخير من النبوة التي نحن بصددها 0 فهناك نقرأ عن < رد سبي يهوذا وأورشليم > ( ع 1 ) وعن < بني يهوذا وبني أورشليم > يباعون للغرباء ( ع 6 ) وعن بني يهوذا يكيلون بنفس الكيل للغرباء ( ع 8 ) ثم عن تعبير < يهوذا وأورشليم > الي الابد ( ع 20 ) 0 يضاف الي هذا أن النبي يؤكد في كل مكان بركات أورشليم المستقبلة ( ص 2 : 32 ، 3 : 16 و 17 و18 و 19 و20 ) ويذكر في كل مكان الهيكل وبيت الرب ( ص 1 : 9 و 13 و 14 ، 2 : 7 ) وجبل صهيون ( 2 : 1 و 15 و 23 و 32 ، 3 : 17 ) . هذا هو الطابع الخاص لهذا السفر
ولا شك أن هذه الحقيقة جديرة بالملاحظة وبالأكثر لأننا نجد أن العدو البارز في يؤئيل هو الأشوري الذي تملأ غزواته والإشارات إلي هلاكه النهائي كل الأصحاح الثاني من سفرنا ونحن نعلم أن الأشوري التاريخي هو عدو الأسباط العشرة وهو الأداة التي استخدمت لتدميرهم وتشتيتهم النهائي في حين أنه فيما يتعلق بيهوذا وأورشليم نراه عدو مقهوراًً ( أنظر تاريخ حزقيا ) ولا ينجح في الإستيلاء علي المدينة أما عدو أورشليم الأكبر وأداة تدميرها وخرابها فهو نبوخذنصر ملك بابل ( أنظر سفر أرميا ) ومع ذلك فإن نبينا يلتزم الصمت المطلق فيما يتعلق ببابل . ومن هنا نستنتج تمشياًً مع سائر النبوات الأخرى أن الأشوري في يوئيل ليس له علاقة مباشرة بالأشوري التاريخي الذي تملأ غزواته المتتابعة تاريخ الأسباط العشرة أيام أضمحلالهم كما في سفر هوشع . أذن فيوئيل يحدثنا عن أشوري نبوي لم يكن الأشوي التاريخي إلا ظلاًً ضئيلاًً له ، وتزداد وجاهة هذا الأستنتاج إذا علمنا أن الأشوري التاريخي كان لا يزال وقت نبوة يوئيل عدواًً مستقبلا . أن جوج ، الأشوري النبوي ، سيشغل ولا شك نفس الأراضي التي كان يشغلها الأشوري التاريخي ولكن سلطانه سيمتد إلي أبعد من ذلك بكثير وذلك لأن هذا العدو الجبار المخيف - عدو النهاية - سيوحد تحت صولجانه معظم شعوب آسيا تقريباًً ، وهو الذي إليه - أي إلي جوج - تشير جميع النبوات العديدة التي تحدثنا عن الأشوري التاريخي بغير أنقطاع . ولما كانت نبوة يوئيل تختص بيهوذا وأورشليم فإن الجزء الرئيسي منها يقدم لنا الأشوري بإعتياره عدو أورشليم المستقبل وإن كان الأصحاح الثالث والأخير منها يضم معه جميع الأمم في دينونة الشعوب النهائية .
هناك ملاحظة ثالثة جديرة بالأعتبار وهي وثيقة الأتصال بالملاحظة الثانية . وهذه الملاحظة هي أن يوئيل يتميز عن سائر الأنبياء الآخرين بميزة خاصة ينفرد بها دون سواه . فبأعتباره لا يتحدث إلا عن عدو مستقبل فإنه لا يعين تاريخاًً زمنياًً لنبوته . فنحن لا نجد في الواقع أية إشارة إلي الملوك الذين تنبأ يوئيل في عهدهم كما هو الحال في معظم النبوات الأخري ، ولا حتي إلي حوادث معينة لها شهرة تاريخية كما هو الحال في حزقيال وعوبديا ويونان وناحوم وحبقوق وملاخي والحق أنه من هذه الناحية يقف يوئيل منعزلا عن باقي الأنبياء . فنحن لا نعرف علي وجه التحقيق متي وقعت الكارثة المريعة التي يحدثنا عنها الأصحاح الأول ، وإن كانت في حد ذاتها حدثاًً تاريخياًً بالغ الأثر والأهمية . إن الزلزلة المشهورة - وهي حدث تاريخي آخر وظاهرة طبيعية كالتي يحدثنا عنها الأصحاح الأوا من نبوة يوئيل - وقعت في أيام عزيا الملك ( عاموس 1 : 1 ، زك 14 : 5 ) ولكن غارات الجراد المتتالية التي يحدثنا عنها يوئيل في أصحاحه الأول والتي أجتاحت البلاد في فترة قصيرة كهذه والمجاعة الرهيبة التي تسببت عنها لم يرد ذكرها في أي مكان آخر .
لقد زعم البعض أن غارات الجراد الأربع المشار إليها كانت رموزاًً لأربع غزوات قام بها الأشوري ضد أرض اسرائيل في أيام النبي . ولكن شيئاًً من هذا لا يستند إلي دليل ، ومن طبيعته - إن صح - أن يقلل من قيمة نبوة يوئيل . أما الحقيقة التي تنسجم مع النبوات الأخرى فهي أن النبي كان يرى خلال هذه الكارثة الطبيعية . القضاء الذي كان عتيداًً أن يتم في مستقبل بعيد . كان يري فيها صورة لحوادث يوم الرب التي لا زالت مختفية وراء ستار المستقبل والتي لم تكن تلك الكارثة إلا ظلا لها . أنه يزيع الستار ويكشف عن حوادث النهاية . أنه يقفز - ان جاز هذا التعبير - عبر دينونات الأشوري ضد اسرائيل التي كانت علي الأرجح لا تزال مستقبلة في أيام النبي ولكنها كانت علي وشك الوقوع - عبر طرق الله المنوعة في سياسة شعبه التي يرسمها النبي هوشع بأدق إيضاح وأكثر تفصيل - نقول أنه يقفز عبر هذه الدينونات وهاتيك الطرق لكي يصل ، في وثبة واحدة ، إلي ملء اليوم الأخير ، يوم الرب العظيم .
والواقع - وهذه هي ملاحظتنا الرابعة - أن كل نبوة يوئيل تختص بيوم الرب ويمكن أن يوضع هذا اليوم عنواناًً لها ، وستكون لنا الفرصة للرجوع بالتفصيل إلي هذا الموضوع في سياق دراستنا لهذا السفر المبارك ، ويكفي أن نلاحظ هنا أن يوم الرب هو يوم دينونات علنية ومختلفة ولا يمكن بدونها أن يفتح باب الدخول إلي البركات الألفية ( بركات الملك الألفي ) وهذه الدينونات العلنية والتي يجريها الرب مباشرة تسبقها دينونات من أعمال العناية الربانية أو الظواهر الطبيعية وهي دينونات وإن لم تكن هي بذاتها يوم الرب إلا أنها عينة منه . وهذا النوع من الدينونات هو الذي يطالعنا به الأصحاح الأول من السفر موضوع تأملنا وهي أيضاًً الدينونات التي كان يجتازها العالم وقت كتابة هذه السطور ( سنة 1915 ) والتي لا زال يجتاز الكثير منها إلي وقتنا الحاضر . ولا شك أن الغرض من جميع دينونات النهاية يتلخص فيما يلي :
أولاًً - تمجيد اسم الله الذي أهانه البشر ، وهم وهم في سفرنا شعب اسرائيل بصفة خاصة ، شعبه الأرضي .
ثانياًً - أخضاع كبرياء الأمم الذين يرفعون رؤوسهم ضد الله ( عوبديا 15 ، أش 2 : 12 - 19 ) ولكي < يتعلم سكان المسكونة العدل > ( أش 26 : 9 ) . وهكذا سيكون ذلك اليوم مخيفاًً ومرعباًً لجميع الذين أخطأوا ضد الرب ( صفنيا 1 : 14 - 18 ) فهو يوم خراب ( أش 13 : 6 _ 9 ) ويوم أنتقام ( أش 61 : 2 ، 63 : 4 ، أر 46 : 10 ) وسخط ( صفنيا 2 : 2 ) وظلام وقتام ( عا 5 : 20 ) . وهذه الدينونات الأخيرة يجريها الرب نفسه ، ومن هنا كانت تسمية ذلك اليوم يوم الرب . والمسيح هو الرب لأن الله < قد أقام يوماًً هو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدماًً للجميع إيماناًً ( أي برهاناًً أكيداًً ) إذ أقامه من الأموات > ( أع 17 : 31 ) . وستدرك هذه الدينونات العالم كله ( رؤ 3 : 10 ) كما نرى ذلك خلال سفر الرؤيا جميعه . وغاية ما في الأمر أننا في سفر يوئيل نرى لأول وهلة أن هذه الدينونات لا تتعدى دائرة يهوذا وأورشليم الضيقة وأنها تدور في نفس الأطار الذي تدور فيه الأصحاحات 12 - 14 من سفر زكريا .
ثالثاًً - تحرير شعب اسرائيل . فلا ننس أن مشورات الرب لا تقف أطلاقاًً عند حد هذه الدينونات التي جلبها العالم علي نفسه بل تتعداها إلي ما هو أبعد . فهناك غرض ثالث منها وهو أنقاذ شعب الله الأرضي ، اسرائيل ، وتحريره من نير الأمم الذين يتعقبونه . وسيكون الهدف النهائي ليوم الرب المخوف قيادة الناس الذين يكونون قد أجتازوا دينوناته وتجاربه بسلام إلي التمتع ببركات ملك المسيح الألفي . هذا هو الأفق النهائي في العهد القديم . أما في العهد الجديد فالأمر يمتد إلي ما وراء ذلك . ففي رسالة بطرس الثانية التي تعالج هذا الموضوع بصفة خاصة ولا سيما ص 3 : 10 - 13 ، نرى أن < يوم الرب > يتعدى الملك الألفي ويذهب بنا إلي حد أنحلال كل شئ - الأمر الذي لا يفعله العهد القديم أطلاقاًً . ففي هذه الرسالة الثانية لبطرس لا يحسب الملك الألفي جزءاًً من يوم الرب . لا شك أنه يجوز لنا إدماجه ضمنه كجملة عرضية بين قوسين يستأنف يوم الرب بعدها خط سيره عندما < تخترق الأرض والمصنوعات التي فيها > لتعطي مكاناًً لـ < يوم الله > و < السموات الجديدة والأرض الجديدة التي يسكن فيها البر > ( 2 بط 3 : 10 - 13 ) . إذن فيوم الرب في العهد الجديد ينتهي بظهور يوم الله ، بينما في العهد القديم ينتهي يوم الرب بالملك الألفي . فالرؤية النبوية في العهد القديم لا تتناول يوم الله ، والأبدية فيه لا تتعدى ملم المسيح الألفي علي الأرض ، وهو الُملك الذي يسمي ُملكاًً أبدياًً ، وذلك لسبب بسيط وهو أن المالك هو الأبدي
ويرينا يوئيل - ولكن علي نطاق ضيق جداًً - هذه الأغراض الثلاثة من دينونات الله التي أشرنا إليها . فالأشوري وحده هو في هذا السفر عصا تأديب الله ضد يهوذا وأورشليم اللذين أهانا الرب . وبمجرد أن يتحقق هذا الغرض فإن الله يبيد هذا العدو وذلك لأن < الفأس قد أفتخر علي القاطع به والمنشار قد تكبر علي مردده > ( يوئيل 3 ) . وأخيراًً يدخل الشعب إلي دائرة البركات النهائية عن طريق التوبة الحقيقية ،
الأصحاح الأول
طلائع يوم الرب أو غارات الجراد
بينما ترتبط نبوة هوشع أرتباطاًً وثيقاًً بالظروف والأحداث التي تميزت بها عهود ملوك اسرائيل ويهوذا ، وهي الظروف والاحداث التي أجتازها النبي والتي يشير إليها في أكثر من موضع ، فأن نبوة يوئيل مستقلة تمام الاستقلال عن جميع هذه الظروف والاحداث التاريخية 0 ومع ذلك فأن حادثاًً جللا ، في مرتبة الكوارث الطبيعية قد أصاب مملكة يهوذا ومرت مشاهدة تحت نظر النبي ، ويوئيل يعتبر هذا الحادث كقضاء وتأديب علي شعبه ولكنه يعتبره أيضاًً أنذاراًً خطيراًً للتوبة 0 وهناك تشابه عظيم بين الأصحاح 24 من أشعياء وهذا الاصحاح الأول 0 فالموضوع في الحالتين تجريد الأرض من خيراتها بسبب خطية سكانها 0 وهذا هو الحال في جميع الأزمنة والاجيال فيما يتعلق بالكوارث التي تحل بالعالم عن طريق الظواهر الطبيعية من براكين وزلازل وفيضانات وسيول وعواصف وأوبئة وحسائر في الزرع والضرع بسبب الآفات والطفيليات الضارة وما يترتب عليها من أزمات ومجاعات وغيرها ، وما أكثر وأروع وأشد ما تحصل وتتكرر هذه الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم في أيامنا الأخيرة الحاضرة ! أن الله يعمل بهذه الهزات العنيفة ليمس ضمائر الناس ، وعندما يرفضون الاستماع ، يستخدم وسائل أشد كالحروب والغارات وما إليها من أساليب التخريب والتدمير وأعمال السلب والنهب كالتي يحدثنا عنها الاصحاح الثاني من سفرنا 0 إذن فالله قد تكلم أولاًً إلي شعبه الأرضي ، ثم الي كنيسته ، وأخيراًًإلي العالم بهذه الوسائل والاساليب ، واذا لم يستمع الناس ويرجعوا إليه فانهم بعدم إيمانهم يختمون بأيدهم علي دينونتهم النهائية0 انه لمن الأهمية بمكان أن يفتح الناس عيونهم للغرض من هذه الكوارث الطبيعية التي تسوقها إليهم العناية الربانية لأيقاظ ضمائرهم . فلو أن يهوذا وأورشليم تابا أمام غارات الجراد التي يحدثنا عنها الأصحاح الأول لما كان هناك داع لأن يرسل إلي أرضهم العدو الذي يحدثنا عنه الأصحاح الثاني . وهكذا لو أن الأمم المسيحية قد أستمعت إلي أنذرات الله التي أعطاها لهم بصورة لم يسبق لها مثيل في الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية التي حلت بهم في هذه السنوات الأخيرة ، لعله كان يرجع عن حمو غضبه . ولكن بدلا من هذا أستمر العالم في طغيانه وفجره وعدم إيمانه رغم كل هذه الكوارث ، رافضاًً أن يرى فيها يد الله حتي وقع من جديد في حرب عالمية ثانية كادت تقضي عليه بما جرته في أذيالها من أهوال ومذابح ليست جميعها ويا للأسف إلا مقدمة لأيام سيشتد فيها الرعب والجزع بالناس حتي يقولوا للجبال والصخور < أسقطي علينا > ( رؤ 6 : 16 )
والكارثة التي يحدثنا عنها الأصحاح الأول عبارة عن غارات متتابعة لأنواع مختلفة من جراد - غارات لم يسمع بها من قبل في في بلد قد أعتادت مع ذلك علي مثل هذه النكبات ... < فضلة القمص أكلها الزحاف وفضلة الزحاف أكلها الغوغاء وفضلة الغوغاء أكلها الطيار >
لقد سبق أن أرسل الله الجراد علي مملكة فرعون لأن هذا الملك < أبي أن يخضع لله > ( خر 10 : 3 و 4 ) . قال له موسى يومئذ : أنك سترى < الأمر الذي لم يره آباؤك ولا آباء آبائك منذ يوم وجدوا علي الأرض إلي هذا اليوم > ( خر 10 : 6 ) ومن المحزن أننا هنا نرى الله يرسل الجراد مع نفس الكلمات تقريباًً إلي مملكة يهوذا مشبهاًً إياها بمملكة مصر التي سبق أن أخرج شعبه منها .. < هل حدث هذا في أيامكم أو في أيام آبائكم . أخبروا بنيكم عنه ، وبنوهم دوراًً آخر > ( ع 3 و 4 ) إلا أن هذه الكارثة كانت أشنع وأشد وطأة من تلك التي حلت بمصر ، ذلك لأن جيوشاًً متتابعة من الجراد ، من أنواع مختلفة ، أغارت علي البلاد ، سنة بعد سنة ، حتي أنت علي الأخضر واليابس . فمن بين أنواع الجراد التي نقرأ عنها في الكتاب ، نقرأ هنا عن أربعة هي أشد أنواع الجراد تدميراًً وتخريباًً . فهي إذن دينونة خاصة ومروعة علي اسرائيل لأنها لم تكن حدثاًً عرضياًً جاء بطرق الصدفة . ولكن هذه الدينونة - ولنلاحظ هذا جيداًً - لا تستبعد أمكانية التوبة ، حسبما قال الرب لسليمان < أن أغلقت السماء ولم يكن مطر ، وأن أمرت الجراد أن يأكل الأرض .. فإذا تواضع شعبي الذين دعي اسمي عليهم ، وصلوا ، وطلبوا وجهي ، ورجعوا عن طرقهم الردية ، فأنني أسمع من السماء ، وأغفر خطيتهم ، وأبرئ أرضهم > ( 2 أخ 7 : 13 و 14 ) . فهل حدثت هذه التوبة في الحالة التي نحن بصددها ؟ أن عاموس ، نبي اسرائيل ، قد سجل عدم فائدة جميع أحكام الله التأدبية فيما يتعلق بالأسباط العشرة إذ يقول < كثيراًً ما أكل القمص جناتكم وكرومكم وتينكم وزيتونكم فلم ترجعوا إلي يقول الرب > ( عا 4 : 9 ) . ونجد هذه العبارة المحزنة تتكرر في عاموس من آية إلي آية عند ذكر كل كارثة . فهو يقول < هكذا أراني السيد الرب وإذا هو يصنع جراداًً في أول طلوع خلف الشعب . وإذا خلف عشب بعد جزاز الملك . وحدث لما فرغ من أكل عشب الأرض أني قلت أيها السيد الرب أصفح > ( عا 7 : 1 و 2 ) فيجيبه الرب بالنعمة قائلاًً < لا يكون > ( ع 3 ) . ونرى من هذا أن شفاعة رجل الله وحده قد أوقفت إبادة الشعب كله . وهكذا سيتوقف مستقبل اسرائيل علي شفاعة واحد بمفرده ، هو المسيح ، الذي يمثله النبي عاموس ، وإن الأمر لن يحتاج لأقل من نعمة الله لكي تعبر الكارثة ولكن كما سنرى في نبوة يوئيل ليس بدون أن تثمر هذه النعمة توبة حقيقية في قلب شعب الله . أما فرعون مصر فكان الأمر معه خلاف ذلك . لقد حملت الريح الشرقية جيوش الجراد وجلبتها إلي مصر ، وبناء علي شفاعة موسى حملت الريح الغربية الجراد وطرحته في البحر الأحمر ، ولكن تذلل فرعون ذي القلب القاسي لم يكن إلا تذللاًً خارجياًً لا أصل له في الضمير ، فمع أنه قال < أخطئت إلي الرب إلهكما والآن أصفحا عن خطيتي هذه المرة فقط > إلا أنه كان معتزماًً في قرارة نفسه عدم ترك بني اسرائيل يذهبون ( خر 10 : 12 - 20 ) ومع ذلك ، أليس من العجيب حتي في هذه الحالة ، أن مظهراًً واحداًً خارجياًً وسطحياًً من التوبة يوقف ، مؤقتاًً علي الأقل ، يد الرب . لقد كان الرب يعرف جيداًً حالة قلب فرعون ولم تكن أعمق نواياه بخافية عليه ولكنه ، تبارك اسمه ، إله الصبر والنعمة الذي يسر بأقل بادرة من الخاطئ نحو الرجوع لكي يفتح له باب الدخول إلي توبة حقيقية خالصة . أن طرق الله المنوعة نحو شعبه كفيلة بأن تثمر هذه النتيجة في ضمائر الجميع ليتسني له مباركتهم . ومن هنا نرى السر في هذه الدينونات التي تبدو في كثير من الحالات غامضة وغير مفهومة بحسب الظاهر
إن كلمة النبي الأولي تحمل هذا النداء للضمير .. < أسمعوا > ( ع 2 ) والثانية < أصحوا > ( ع 5 ) . أن الله هو الذي يتكلم ، وعلي كل من له أذن للسمع أن يسمع . أنه من الواجب عندما تحل الكوارث بالعالم أن تنتبه النفوس وتميز فيها صوتاًً من الله يدعوهم للتوبة ، وعلي أولئك الذين ينامون في الظلمة ( 1 تس 5 : 7 ) أن يصحوا . وعندما يصحون يصبح من المستحيل علي أقساهم قلباًً ألا يبكي وألا يحس بحدة الألم .. < ولولوا > يقول النبي < ولولوا يا جميع شاربي الخمر > ... < ولول الكرامون > ... < ولولوا يا خدام المذبح > ( ع 5 و 11 و 13 )
ولكن أمرّّ صرخة من صرخات الألم ليست هي التوبة الحقيقية . لذلك فإن الله لكي ينتج هذه التوبة يرسل سبباًً آخر للحزن ، فيعاني الشعب خسارة تفوق بمراحل خسارة المحاصيل ، خسارة كفيلة بأن تمس ضمير الشعب في الصميم . وهذا السبب الثاني للحزن هو أنهم فقدوا الرب وأصبحوا لا يستطيعون الأقتراب منه فيما بعد . يقول النبي < نوحي يا أرضي كعروس مؤتزرة بمسح من أجل بعل صباها > ( ع 8 ) يا لك من شعب بائس مسكين ! لقد فقدت بعلك ولم يبق لك إلا أن تنوح عليه . لقد مات الرب فيما يتعلق بك ، ولن تراه مرة أخرى . فلم تعد هناك وسيلة لتقديم التقدمة ( لا 2 ) وسكيبها في بيت الرب لأن القمح قد تلف والمسطار قد جف والزيت قد ذبل . قد تلف حصيد الحقل ويبست الجفنة وذبلت التينة وكل أشجار الحقل 0 ع 9 و 13 و 16 ) وهل يمكن الأتيان إلي الرب بأيادي فارغة ، دون أن نحمل إليه الشكر والحمد والخضوع الذي يستحقه ؟ أن الكاهن الذي ليس بيده شئ يقدمه هو كاهن لا فائدة فيه . والله يستر وجهه ، ولذلك < قد يبست البهجة من بني البشر > ( ع 12 ) . فلم يعد لهم ولو مورد التمتع بثمار الأرض وهي البركة التي قضلها الإنسان عن كل ما عداها منذ أن طرد قايين من محضر الله وراح يبحث عن مباهجه بعيداًً عنه . وفي أيام الحزن والعار والألم هذه لا يمكن أن يكون هناك رجاء في إيجاد شئ من التعزية في محضر الله الذي أهين مثل هذه المرات المتوالية . فإذا بقى للإنسان بعد ذلك ؟ شئ واحد . التوبة . وإلي هذا الشئ الواحد كما سبق وقلنا تتجه كل معاملات الله وطرقه من نحو الإنسان . فإذا كانت النعمة ووساطة المسيح كم لاحظنا في عاموس هما المورد الوحيد فإن التوبة هي وسيلة الشعب الوحيدة لأنتفاعهم بالنعمة . ومن أجل هذا يقول الله ليهوذا وأورشليم بفم نبيه : < قدسوا صوماًً . نادوا بأعتكاف . أجمعوا الشيوخ جميع سكان الأرض إلي بيت الرب إلههم وأصرخوا إلي الرب > ( ع 14 ) . هذا هو المورد الأخير والفريد . يصرخون إلي الرب الذي أساءوا إليه ! يصرخون إليه ويدعونه من الأعماق ! ولكن من يستطيع الوقوف إذا راقب الرب الآثام ؟ ومع ذلك فإن عنده المغفرة . إن أول ما يجب أن يعمل هو أن < يقدسوا صوماًً > . يجب أن يعبر الشعب أمام الله عن تذللهم وشعورهم العميق بشناعة الخطية التي ألزمت الرب أن يعود المرة بعد المرة إلي أستخدام هذه الأساليب القاسية . يجب علي يهوذا ، وعلي الناس أجمعين ، أن يتشحوا بالمسوح مع توبة خالصة وعامة . أن هذا هو الرجاء الوحيد .
ولكن هل يسارعون إلي تلبية النداء ؟ كلا بالأسف . فقبل أن يستجيبوا إلي هذا النداء الحار كان لابد أن تضاف كارثة أخرى إلي الكارثة الأولى ( ع 15 - 20 ) فإن موجة من الحرارة القاتلة أو ناراًً صاحبتها قد < أكلت مراعي البرية > فأنقطع الكلأ وجفت جداول المياه . وهكذا عمت المجاعة الجميع ، الناس والبهائم علي السواء . وهذه الضيقة نقلت الفكار إلي يوم الرب < آه علي اليوم ، لأن يوم الرب قريب ، يأتي كخراب من القادر علي كل شئ > إن الخوف من أنقلاب عام ونهائي قد أستولى علي القلوب والأفكار . وها هو جيلنا يعاني هذا الخوف بعينه بسبب ما يواجهه من قلاقل ةأضطرابات ، وهو عين الخوف الذي سيعانيه الناس قبيل الدينونات الأخيرة عندما يفتح الرب الختم السادس ، ويا لهول الرجفة التي ستأتي عليهم لتوقظهم من سباتهم . سيقولون عندئذ < أن يوم غضبه العظيم قد جاء ومن يستطيع الوقوف > ( رؤ ومع ذلك فسيكونون واهمين لأن هذه ليست سوى مبتدأ الأوجاع ، وليست مجئ اليوم بعد . أما هذا المجئ فسنراه في الأصحاحين الثاني والثالث من سفرنا
وها هو الصوم قد أعلن ، ورعب يوم الرب قد مس الأعماق ، ولكن كان لابد كما رأينا في عاموس أن يتقدم واحد ، مرسل ، وسيط ، واحد من ألف ، مثل أليهو لأيوب ، ويقول < أطلقه > ( أي 33 : 23 و 24 ) ، وقد وُُجد هذا الواحد . رجل واحد في كل ظرف - عاموس ، أرميا ، وهنا النبي نفسه بأعتباره رمزاًً للمسيح - يتقدم أمام الله من أجل الشعب < إليك يا رب أصرخ > ( ع 19 ) وهل هناك أدانة للإنسان أكمل من هذه ، أن يقال لهم < أصرخوا إلي الرب > ( ع 14 ) فلا يجيب إلا شخص واحد < إليك يا رب أصرخ > ؟ ولكن هذا الواحد فيه كل الكفاية لله . بار واحد وسط هذا الجيل الملتوي . واحد فقط تستقر عليه عيناه . إذن فنحن نجد في الأصحاح الأول شيئين متحدين لابد منهما للخلاص وهما التوبة والنعمة التي تستجيب لها لأنها تعتمد كلية علي المسيح ، علي شخص < البار > أمام الله دون سواه .
الأصحاح الثاني
( 1 - 27 )
يوم الرب أو غارة الأشوري
أمام غارات الجراد التي كانت من الشدة الفظاعة بحيث أن الناس رأوا فيها مضطرين قضاء الله ، وأمام الظروف الخطيرة التي صاحبتها ، من توقف الممارسات الكهنوتية المقدسة وأنقطاع علاقات الشعب بالله ، وأخيراًً أمام المجاعة الرهيبة ، صرخ الناس < آه علي اليوم . لأن يوم الرب قريب > ( ص 1 : 15 ) . ولكن جميع هذه الحوادث التي شاهدها يؤئيل رفعت الستار عن مشهد بعيد أمام عينيه الرائيتين . فقد رأى في هذه الكوارث صورة للأمور المستقبلة ، رمزاًً للكوارث التي ستصاحب يوم الرب . وألا يجب أن يكون هذا حالنا اليوم ونحن نرى بعيوننا ونسمع بآذاننا مشاهد الأنقلابات والحوادث والكوارث التي تجري علي مسرح العالم ؟
إن نبوة يوئيل ، التي تختلف عن نبوة أشعياء ونبوة هوشع ، كما سبقت الأشارة في المقدمة ، تحرس جد الحرص علي عدم الأشارة إلي الحوادث التاريخية لتحديد الزمن ، ولذلك فليس من حقنا إدخال هذه الحوادث هنا ، وعلي أية حال فإن كارثة الجراد مهما كان الزمن الذي وقعت فيه ، هي نقطة الأبتداء في هذه النبوة ، وهجوم الأشوري النبوي ضد يهوذا وأورشليم في الاصحاح الثاني هو تطبيقها الرمزي أن النبي أشعياء ينتقل بأبصارنا باستمرار من سنحاريب الاشوري التاريخي إلي الاشوري النبوي ( أشوري النهاية ) ويتخذ من صفات ومصير الأول فرصة للتنبؤ عن صفات ومصير الثاني 0 أما النبي يوئيل فيلتزم الصمت ومصير الأول وعنده أن غارة النهاية الخطيرة في أرض يهوذا صورة مثالية < ليوم الرب العظيم والمخوف جداًً > 0 صحيح أن حوادث الاصحاح الأول جعلته يفكر في أهوال ذلك اليوم ولكنها لم تكن إلا مقدمة ضعيفة له 0
فالأشوري أذن يلعب دوراًً رئيسياًًفي الحوادث التي تسبق اقامة ملك المسيح الألفي كما هو موصوف في نهاية أصحاحنا ( ع 23 - 27 ) 0 وفي الاصحاح الثالث ( ع 18 - 21 ) 0 وقد يكون من الأذق التحدث هنا عن تحالف أشوري رئيسه السياسي جوج المذكور في حزقيال ( ص 38 - 39 ) وريئسه العسكري ملك الشمال المذكور في داينال ( ص 8 و11 : 40 - 45 ) والمسمي في نبوتنا < الشمالي 00 الذي تصلف في عمله > ( 2 : 20 ) ولنلاحظ أن جيش الجراد الرمزي هذا له دائماًً ملك ( انظر أصحاحنا وسفر الرؤيا 9 : 11 ) في حين أنه عندما ينظر إليه من الناحية غير الرمزية كما في الأصحاح الأول يقال < الجراد ليس له ملك ولكنه يخرج كله فرقاًً فرقاًً > ( أم 30 : 27 )
لقد سبق أن عالجنا موضوع الأشوري بالتفصيل في كتابات أخرى ولسنا بحاجة إلي الرجوع إليه مرة ثانية هنا فنكتفي بإيراد بعض ملاحظات تكميلية بشأن هذا العدو الرهيب لاسرائيل في الأيام الأخيرة . إن ملك الشمال في دانيال ، وجوج في حزقيال لا علاقة لهما ببابل ولو أن النبي أرميا يتكلم في أكثر من موضوع عن جيوش الشمال وشعب الشمال ومملكة الشمال في معرض الحديث عن نبوخذ نصر وبابل ، وكذلك الماديين والفارسيين الذين غزوا الكلدانيين بعد ذلك . أما جوج الذي أمتدت ممتلكاته الأصلية صوب الشمال حتي تاخمت حدود روسيا الجنوبية وآسيا فهو خليقة الأشوري التاريخي ، وعلي ذلك فإن التحالف الأشوري المشار إليه في النبوة يشمل جميع الأراضي الخاضعة لسلطان جوج . أما ملك الشمال فيتسلط علي آسيا الصغرى التي كانت أصلاًً جزءاًً من مملكة الأشوري التاريخي ولكنها صارت مملكة منفصلة تحت سيادة سليوكاس أحد خلفاء الأسكندر الأكبر الأربعة ثم بعد ذلك تحت سيادة أنتيوخس . ومع أن ملك الشمال ليس هو جوج إلا أنه يعمل متعاوناً معه ويلعب دوراًً هاما كرئيس جيوشه . أما الأشوري في أشعياء فهو الأشوري التاريخي ظاهراًً من جديد في الأيام الأخيرة بعد أن تكون بابل التي سبق أن أخضعت مملكته وألغتها قد أختفت من المشهد منذ زمن طويل . والواقع أن بابل لن تقوم لها قائمة مرة أخرى إلا بصورة رمزية وذلك في سفر الرؤيا لتصوير فساد المسيحية المرتدة والراجعة إلي الوثنية في الأيام الأخيرة . فإن واحدة من الأمبراطوريات العالمية الأربع ، وهي الأمبراطورية الرومانية ، ستنهض من جديد بهذه الصفة وستكون موضع دهشة العالم أجمع 0 وتحت أدارة وارشاد جوج رئيس روسيا سيكون التحالف الأشوري الخصم الأكبر للأمبراطورية الرومانية الغربية الناهضة من جديد وحليفها ضد المسيح ، النبي الكذاب ، ملك الشعب اليهودي المرتد هذا هو الأشوري الذي سيغزو فلسطين في حرب النهاية ولا سيما يهوذا وأورشليم 0
وسيكون جوج الرئيس السياسي للتحالف الأشوري في الأيام الأخيرة ( حز 32 : 22 - 30 ، 38 : 1 - 6 ) فهو الذي يقول عنه السيد الرب < أنت هو الذي تكلمت عنه في الأيام القديمة عن يد عبيدي أنبياء أسرائيل الذين تنبأوا في تلك الأيام سنيناًً أن آتي بك عليهم > ( حز 38 : 17 ) وقد تكلم أنبياء أسرائيل عن الأشوري بما يدل علي أن جوج والأشوري شخصية واحدة
وفي الأصحاح الذي نحن بصدده نجد الأشوري وجيوشه مشبهاًً بجراد الأصحاح الأول 0 وهنا نلاحظ أن في مناسبة واحدة تقدم لنا الكلمة عدواًً جنوبياًًفي هذه الصورة ، وذلك يتفق تماماًً مع أصل الجراد الذي يأتي بدون أستثناء تقريباًً من الجنوب والشرق ، وهذه المناسبة هي المذكورة في سفر القضاء ص 6 : 5 حيث كان المديانيون والعمالقة وبنو المشرق يصعدون علي أسرائيل < كالجراد في الكثرة > 0 أما في سائر الفصول الأخري فتستخدم هذه الصورة للتعبير عن العدو الشمالي 0 وهذا هو الحال في أرميا 46 : 20 و 23 ، 51 : 14 و 27 وفي أصحاحنا 0 وعلي ذلك فأن مجيْْ جيش الجراد من الشمال يؤيد الصفة الرمزية التي لهذه الغارة0 والآن دعنا نتأمل بالتفصيل في أصحاحنا :
< أضربوا بالبوق في صهيون 0 صوتوا في جبل قدسي 0 ليرتعد جميع سكان الأرض لأن يوم الرب قادم لأنه قريب 0 يوم ظلام وقتام ، يوم غيم وضباب ، مثل الفجر ممتداًً علي الجبال 0 شعب كثير وقوي لم يكن نظيره من الأزل ولا يكون أيضاًً بعده إلي سني دور فدور > ( ع 1 و 2 ) .
إن فكرة أقتراب يوم الرب ، وهي الفكرة التي توحي بها الكارثة التي حلت بيهوذا ( ص 1 : 15 ) هي نقطة أبتداء ما يلي في هذا الأصحاح . فإن يوئيل النبي يرى جيشاًً مستقبلاًً شبيهاًً بغيوم الجراد وهي الصورة المألوفة في النبوة كما رأينا . وهذا الجيش أفزع بما لا يقاس من جيش تلك الحشرات المخربة المدمرة . لقد قيل عن جيش الجراد أنه كارثة لم يسمع بمثلها إلي ذلك اليوم < هل حدث في أيامكم أو في أيام آبائكم > ( ص 1 : 2 ) في حين يقال عن جيوش الأصحاح الثاني . < شعب ... لم يكن نظيره منذ الأزل ولا يكون أيضاًً بعده إلي سني دور فدور >
وها هو التنبيه يعطي ، وصوت النذير باقترابهم يدوي . . < أضربوا بالبوق في صهيون ، صوتوا في جبل قدسي > . كان ضرب الأبواق الفضية مصحوباًً بالتصويت ( أو الهتاف ) يحدث في مناسبتين في اسرائيل : المناسبة الأولي عند أرتحال المحلة والثانية للذهاب للحرب ضد العدو . وفي الحالة الثانية يكون ضرب البوق بالهتاف له هذه النتيجة المباركة < فتذكرون أمام الرب إلهكم وتخلصون من أعدائكم > . ( سفر العدد ص 10 : 1 - 9 ) وهذه المناسبة التي يشار إليها هنا . فها هو جيش الأشوريين الذي لا يعد من الكثرة يجتاح أرض يهوذا . فما السبيل لمقاومتهم أتستطيع جفنة من الرجال أن تقف أمام خصم جبار مثل هذا ؟ ومع ذلك فالبوق يدوي بالهتاف في صهيون علي الجبل المقدس ، ولا بد من الأجتماع ولكن لأي غرض هذا الأجتماع أيها الشعب المسكين ؟ أللحرب ؟ يا لها من غباوة ! ألا تفهمون أن ذلك يكون حرباًً ضد الرب ؟ أتجهلون أيها الشعب الأعمي البائس أن هذا الجيش الآتي عليكم أنما هو جيش الرب < والرب يعطي صوته أمام جيشه > ( ع 11 ) . فلا سبيل أمامكم للخلاص . لا سبيل طالما أن الرب مع خصومكم القائمين عليكم . إن أمركم معه ولا سواه . فأضربوا بالبوق بهتاف لا لكي تحاربوا عدواًً أنتم بالضرورة منكسرون أمامه بل لكي تذكرون أمام الله . لكي نذكر ؟ أليس هذا معناه تذكير بخطايانا وشرورنا ؟ بلا شك ، ولكن هل الدينونة هي كل ما في قلبه ؟ أصرخوا إليه لعله يترك عصا تأديبه ويتراءف عليكم . فهو < عنده المغفرة > هذا هو المعنى الحقيقي لهذا الفصل وهو الحل الوحيد الذي إليه يوجه روح الله شعبه المسكين المذنب . ولكن ويا للأسف أن النتيجة المرجوة لا زالت بعيدة . وسنرى العائق في سبيل إتيان البركة علي يهوذا وأورشليم عندما نصل إلي عدد 15 ونتأمل في الأستعمال الثاني للأبواق .
< ليرتعد جميع سكان الأرض لأن يوم الرب قادم لأنه قريب > ( ع 1 ) . هنا يوم الرب قادم وليس كما كان في ص 1 : 15 متوقعاًً أو < قريب . يأتي > بل < قادم . قريب > هذه هي بداءة ذلك اليوم الرهيب المقول عنه < يوم ظلام وقتام يوم غيم وضباب . مثل الفجر ممتداًً علي الجبال > ( ع 2 ) ليس لكي يأتي بالنور إلي العالم بل بالعكس لكي يأتي بالظلام كما هو مكتوب في عاموس ( 4 : 13 ) ولكن هذا الظلام ليس شيئاًً بالقياس إلي ما هو مذكور بعد ذلك ( 2 : 30 و 31 ، 3 : 15 ) فهذا الذي نقرأ عنه الآن ما هو إلا مقدمات يوم الرب فإن العدو المشبه بجيش الجراد سيحجب كغيم وسحاب ثقيل نور النهار الوشيك الظهور . وهكذا يقول حزقيال نفس الشئ ص 38 : 9 متكلما عن الأشوري < وتصعد وتأتي كزوبعة وتكون كسحابة تغشى الأرض ، أنت وكل جيوشك وشعوب كثيرون معك > . فإذا كانت الضربة المذكورة في الأصحاح الأول قد جاءت كعينة أو مقدمة ليوم الرب ، فإن الأصحاح الثاني يربط مجئ هذا اليوم بالهجوم الذي يقوم به الأشوري مستقبلا .
وحينما سار هذا الجيش ، فإن أرض يهوذا ، مشبهة بجنة عدن كما في الأيام التي فيها رفع لوط عينيه إلي سهول دائرة الأردن ، تصير خرابا يبابا < قدامه نار تأكل وخلفه لهيب يحرق . الأرض قدامه كجنة عدن وخلفه قفر خرب . ولا تكون منه نجاة > . هذه إشارة إلي الجزء الثاني من كوارث الأصحاح الأول ع 19 و 20 وبعد ذلك يجئ وصف هذا الجيش < كمنظر الخيل منظره ومثل الأفراس يركضون كصريف المركبات علي رؤوس الجبال يثبون . كزفير لهيب نار تأكل قشا ، كقوم أقوياء مصطفين للقتال > ع 4 و 5 لقد عاين النبي غارة الجراد ومنها يستعيد تصويره لوصف جيش الأشوري القادم .
وكل من شاهد مثل هذه الغارات التي يقوم بها الجراد يصفها بنفس الكيفية يقول واحد < هذا الجيش الهائل يصنع عند توقفه دوياًً خاصاًً وهو يأكل ويلتهم وكنا نسمع هذا الدوي قبل وصول الجيش فعلاًً > . ويقول آخر < أنه لمن الصعب التعبير عن أثر ما كان يحدثه في نفوسنا منظر كل الجو وقد أمتلأ من جميع جوانبه وإلي أرتفاع كبير للغاية بكميات لا تحصى من هذه الحشرات التي كان طيرانها بطيئاًً ومتسقاًً ودويها شبيهاًً بدوي المطر . وهكذا كانت طبقاتها تغطي وجه السماء وتحجب نور الشمس > وقال ثالث < متجمعة كجيوش متراصة ، مكونة فرقاًً هائلة ومتجهة صوب هدف واحد ومتحفظة بصفوفها كرجال الحرب ، كانت هذه الحشرات تتسلق الأشجار والحوائط والبيوت ملتهمة كل أخضر في طريقها . والأكثر من ذلك ، كانت تدخل جميع البيوت وتقتحم غرف النوم كالصوص >
ولكن وصف العدو هنا يفوق هذه الظاهرة < كصريف المركبات علي رؤوس الجبال ... كقوم أقوياء مصطفين للقتال ... يجرون كأبطال ... يتراكضون في المدينة يجرون علي السور ، يصعدون إلي البيوت ، يدخلون من الكوى كلص > ( 2 : 5 -9 ) ذلكم هو < جيش الرب > .. < صانع قوله القوي > . في العدد الأول < يوم الرب قادم لأنه قريب > حينما كان البوق يضرب بهتاف . أما الآن فإن < يوم الرب عظيم ومخوف جداًً فمن يطيقه > ( ع 11 ) وفي ( ص 3 : 14 ) وهو < قريب في وادي القضاء >
فهل ينتبه شعب أورشليم إلي صوت البوق ؟ كلا ويا للأسف . فهم لن يسمعوه في المستقبل كما لم يسمعوه في الماضي . وهذا ما يؤكده جميع الأنبياء فإن أورشليم معتزة بتحالفها مع الأمبراطورية الرومانية وضد المسيح ، ستتفاخر قائلة < قد عقدنا عهداًً مع الموت وصنعنا ميثاقاًً مع الهاوية . السوط الجارف إذا عبر لا يأتينا > ( أش 28 : 15 ) . ولكن العدو سيفاجئهم ، وتقع المدينة في قبضة يده . ولنلاحظ أن الأمر هنا قاصر علي المدينة أورشليم وسورها . فهناك في الواقع يتم هذا المشهد الذي يتحدث عنه يوئيل لأنه في صهيون يوجه النداء لضرب البوق بهتاف وهناك يصعد الجيش المغير علي السور وينتشر في المدينة ، يصعدون إلي البيوت ويدخلون من الكوي . والواقع أن وصف أورشليم مذكور هنا بالمباينة مع سائر مدائن اسرائيل الأخرى ففي حزقيال يقول نفس هذا العدو ، جوج : < أني أصعد علي أرض أعراه ( أي ذات مدن مفتوحة ) آتي الهادئين الساكنين في أمن 0 كلهم ساكنون بغير سور وليس لهم عارضة ولا مصاريع ، لسلب ولغنم الغنيمة 0 0 علي شعب مجموع من الأمم 0 الساكن في أعالي الأرض >(حز 38 : 11 - 22 ) بينما يخبرنا زكريا ( ص 14 : 2 ) أن أورشليم ستحاصر وأن المدينة ( وتتكرر هذه الكلمة ثلاث مرات أنظر إيضاًً لوقا 24 : 49 ) ستقع في قبضة نفس هذا العدو وأخيراًً يخبرنا أشعياء أن المدينة لن تنجو من < السوط الجارف > أي من الأشوري ولكن عندما تأتي ساعة الأنقاذ لن يكون هناك الأعتماد علي < الكاتب أو الجاني أو الذي عد الأبراج > ( اش 28 : 14 - 21 ، 33 : 18 ) 0 أذن فعلي نقيض < الأعراء >( أو المدن المفتوحة ) نري أن أورشليم ، العاصمة ، مركز المقاومة للعدو الشمالي ، ستكون محصنة ولكن النبي يذهب إلي أبعد من ذلك ويرينا بتصويره الواضح أن جيش الجراد لم يكن إلا صورة مصغرة لغارة جيش الأشوري في المستقبل 0 < قدامه ترتعد الأرض وترجف السماء 0 الشمس والقمر يظلمان 0 والنجوم تحجز لمعانها > ( ع 10 ) ذلك لان <الرب يعطي صوته أمام جيشه أن عسكره كثير جداًً 0 فأن صانع قوله قوي 0 لان يوم الرب عظيم ومخوف جداًً فمن يطيقه ؟ > إذن ما العمل الآن ؟ يعطينا سفر الأعمال ( 17 : 30 و 31 ) الجواب علي هذا السؤال الخطير < فالله الآن يأمر جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا 00 لانه أقام يوماًًهو فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل قد عينه مقدما للجميع إيمانا إذ أقامه من الأموات > أذن فالتوبة أمام خطر الدينونة هي الشئ . الوحيد اللازم للناس . وهذا هو الذي نراه في سفر يوئيل . فهو يقول أنه لا زال يوجد الآن ، مكان للتوبة . < ولكن الآن يقول الرب أرجعوا إلي بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح . ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وإرجعوا إلي الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطئ الغضب وكثير الرأقة يندم علي الشر > ( 12 و 13 ) أي نعم، أنه يدعو الشعب إلي هذا ، أي إلي التوبة للخلاص مما كان واقعاًً عليهم ، كما يقال في هوشع 6 : 1 < هلم نرجع إلي الرب لأنه هو أفترس فيشفينا ، ضرب فيجبرنا > أو في يعقوب 4 : 9 < أكتئبوا ونوحوا وأبكوا . ليتحول ضحككم إلي نوح وفرحكم إلي غم . أتضعوا قدام الرب فيرفعكم > . < لعله يرجع ويندم فيبقي وراءه بركة ، تقدمة وسكيبا للرب إلهكم > ( ص 2 : 14 ) . لقد أنقطعت التقدمة والسكيب عن بيت الرب حينما كانت أحكامه التأدبية تنصب علي الشعب ( ص 1 : 9 و 13 ) والآن لعلهم يستعيدونها إن هم رجعوا وتابوا . والواقع أننا نعلم ( من أشعياء 66 : 20 وكذلك من 18 : 7 ) أن هذا سيكون الحال في آخر الأيام عندما ترجع البقية الاسرائيلية إلي الرب حيث يقال < كما يحضر بنو اسرائيل تقدمة في إناء طاهر إلي بيت الرب > ففي ذلك الوقت ستكون التقدمة والسكيب عبارة عن البقية المؤمنة نفسها مقدمة إلي الله باعتبارها له ولأجله . ولكن هذه التوبة لكي تكون مقبولة ، يجب أن تكون حقيقية وليست مجرد توبة خارجية .. < مزقوا قلوبكم لا ثيابكم > ( ع 13 أنظر أيضاًًزك 12 : 10 - 14 )
وهكذا تتفق جميع أجزاء النبوة في توكيد هذا الشئ الخطير وهو أن بركة اليهود المستقبلة تتوقف علي تذللهم الحقيقي ورجوعهم القلبي إلي الله الذي أساءوا إليه . إن هتاف البوق الأول ودعوته للشعب للظهور أمام الرب للتذكار عندما جاء الأشوري وجيشه علي أورشليم كعصا تأديب لم يستمع إليه أحد ( 2 : 1 ) وكان من نتيجة هذه القساوة كما رأينا أن أخذ ملك الشمال المدينة ، الأمر الذي يصوره لنا زكريا بكيفية مؤثرة والذي يحدثنا عنه هذا الأصحاح فهل بعد هذه الكارثة يسمع الأمناء صوت الدعوة التي يوجهها إله النعمة إلي ضمائرهم ؟ ها هو يقول لهم < أرجعوا إلي الرب ألهكم لأنه رؤوف رحيم بطئ الغضب وكثير الرأفة ويندم علي الشر > ( ع 13 ) . وهنا ونراه له المجد يتخذ لنفسه الصفات المعلنة لموسى في سفر الخروج 34 : 6 و 7 وذلك لأن الشعب أو بعبارة أخرى الأمناء من البقية الاسرائلية المستقبلة ستكون لا زالت تحت عهد الناموس ، وهذه حقيقة يجب أن نحملها في بالنا ولا ننساها . ولكن النبي يقول . ويندم علي الشر . فإنه تبارك اسمه يستجيب لأقل بادرة من بوادر التوبة فيرجع ويندم ويتسامى في النعمة فوق أحكام ذلك العقد الناموسي الذي أرتبط به الطوفان . أما العهد الجديد ، ذلك العهد الذي هو من جانب واحد ، والذي يعتمد علي نعمة الله من نحو شعبه دون سواها ، فإنه لن يتم ويأخذ مجراه إلا عندما يكون روح الله قد أنشأ توبة حقيقية في قلب اسرائيل .
والأعداد 15 - 17 فيها الجواب علي الدعوة المتضمنة في الأعداد 12 - 14 ، فتحت ضغط العدو الذي أستولي علي أورشليم أصغى الشعب إلي النداء الملح الذي يدعوهم للتذلل والتوبة . فما من شئ أقل من هذه الكارثة الأخيرة كان يكفي للوصول إلي ضمائر المختارين < أضربوا بالبوق في صهيون . قدسوا صوماًً نادوا باعتكاف > . والبوق هنا لا يضرب مع هتاف لأن الأمر لم يكن متعلقاًًبمواجهة العدو الضاغظ علي الشعب في أرضه ، ولكن لمجرد جمع الجماعة كما هو مكتوب . < وأما عندما تجمعون الجماعة فتضربون ولا تهتفون ، وبنو هرون الكهنة يضربون بالأبواق > ( سفر العدد 10 : 7 و 8 ) . وهذا الأجتماع ليس له بعد صفة الأجتماع الألفي أو < الجماعة العظيمة > التي يقال عنها < وفي يوم فرحكم وفي أعيادكم ورؤوس شهوركم تضربون بالأبواق علي محرقاتكم وذبائح سلامتكم فتكون لكم تذكاراًً أما إلهكم > ( سفر العدد 10 : 10 ) - بل هو أجتماع البقية المؤمنة ، في أورشليم ، في حالة الصوم والتذلل والبكاء .
أليس هذا هو شأن الأمناء في اليوم الحاضر ؟ أن التذلل العام لا يجد صداه الحقيقي اليوم لدى شعوب العالم المضروبة بالكوارث والمخاوف التي لا مثيل لها في تاريخ البشريةكما لم يجده لدي اليهود الذين أتاهم الصوت < قدسوا صوماًً > أثناء كارثة الجراد ( ص 1 : 14 ) ولكن التوبة وجدت في القلوب بعض الأفراد الذين ختمهم الرب والذين < يكتئبون وينوحون > وسط عالم متمرد . إن الأمر يتطلب توبة حقيقية وليس توبة خارجية ، توبة تجعل الأمناء بين الشعب < يمزقون قلوبهم وليس ثيابهم > ع 13 . إن خراب الكنيسة ، والدينونة النهائية التي ستنصب عليها المسيحية الأسمية وشعور النفس بالمذنوبية لمساهمتها في الوصول إلي هذه الحالة السيئة ، وإهانة اسم المسيح - هذه كلها نتج عنها التوبة والتذلل في قلوب عدد قليل يمثلون الجماعة . إن البقية المسكينة من أورشليم ويهوذا ستؤلف شعب المستقبل وتصبح نواة اسرائيل الأرضي الألفي كما أن البقية المسيحية اليوم تمثل الكنيسة أو شعب المسيح السماوي ومع ذلك فإن تذلل أورشليم يختلف في أكثر من نقطة عن تذللنا .
أولاًً في كونه يتحقق ليس بتأثير إعلان دينونات مستقبلة آتية بل بفعل يوم الرب العظيم المخوف جداًً الذي سيجتازه هؤلاء الأمناء في نفس الوقت مع المرتدين ، في حين يكون تذللنا قبل < الغضب الآتي > . بعد ذلك تأتي النقطة الأخيرة أعني الشعور بأن علاقة الشعب بالله مقطوعة بينما الأمر في حالتنا يختلف عن ذلك كل الأختلاف لأن الخطية ولو قطعت شركتنا مع الله فإنها لا تقطع أبداًً علاقتنا به المؤسسة علي عمل المسيح الكامل .
وكم سيكون خطيراًً حقاًً هذا المشهد المستقبل : < أجمعوا الشعب . قدسوا الجماعة . أحشدوا الشيوخ . أجمعوا الأطفال وراضعي الثدي . ليخرج العريس من مخدعه والعروس من حجلتها ! > ( ع 16 ) . كل طبقات الشعب مدعوة للتوبة . حتي راضعو الثدي يجب أن يحتملوا ثقا أثم الشعب . من أكبر كبير إلي أصغر صغير - الكل يذقون مرارة الرفض . وأعمق الأفراح العائلية يجب أن تترك ويستعاض عنها بالصوم والتذلل . وكذلك جميع السلطات المدنية والدينية لها نصيب في هذا المشهد المقدس .. < ليبك الكهنة خدام الرب بين الرواق والمذبح > ولاحظ ذلك ؟ ألم يرفضوا ويصلبوا حمل الله الذي يستطيع وحده أن يصالحهم مع الله ؟ ثم يقولون .. < أشفق يارب علي شعبك ولا تسلم ميراثك للعدو حتي تجعلهم للأمم مثلا . لماذا يقولون بين الشعوب أين إلههم ؟ > . وهنا نرى أنه رغماًً من كل ما حدث منهم وفي وقت لا زالوا فيه تحت الحكم < لوعمي > ( ليسوا شعبي ) فأنهم يصرون علي القول .. < شعبك > . أن ذلك ولا شك هو صوت الإيمان وهو ما سيميز البقية المؤمنة التي تتكلم هنا والتي وإن شكت تماماًً في نفسها فهي لم تشك قط في أمانة الله لمواعيده . وكم من المرات تخترق هاتان الكلمتان < أين إلههم > آذان البقية اليهودية الهاربة المشتتة بين الأمم أثناء الأضطهاد الذي يثيره ضدهم الوحش والنبي الكذاب كمنراه في سفر المزامير( مز 42 : 3 و10 وكذلك 79 : 10 ، 115 : 2 ) . وها هي الآن تطن في آذان هذا الجزء من البقية الباقية في أورشليم . آه ، كم تحز هذه الكلمات بكيفية موجعة في القلوب التائبة ! أليست هي نفس الكلمات التي وجهها أباؤهم إلي المسيا معيرينه بها وهو يذوق الموت من أجل الأمة < قد أتكل علي الله فلينقذه الآن إن أراده . لأنه قال أنا ابن الله > ( مت 27 : 43 )
وماذا كان الصوم السابق أثناء غارة الجراد ( 1 : 14 ) بالمقابلة مع الصوم الحالي ؟ كان مجرد حركة عابرة من الأنسحاق رغم أن أورشليم في ذلك الوقت قد استجابت للنداء < قدسوا صوماًً > وذلك لأن شخصاًً واحداًً كما كما رأينا هو الذي صرخ عندئذ < إليك يارب أصرخ > ( 1 : 19 ) أما الآن فإن التذلل حقيقي والتوبة كاملة . ذلك هو < نوح أورشليم > الذي يحدثنا عنه النبس زكريا ( 12 : 11 - 14 ) ما أبرك التذلل حقاًً . أنه يعيد إلينا ضياء وجه الله . وكم من قرون أنتظر الرب ، أنتظر عبثاًً تحقيق هذا التذلل في نفوس الشعب ! هل تذللوا راجعين من أصنامهم ؟ هل تذللوا بعد تسميرهم ابن الله ، مسياهم ، علي الصليب ؟ آه ، كم هو عاص قلب الإنسان ، قلبنا جميعاًً ، وكم هو عنيد ومتكبر يأبى الخضوع ! وهذه الأمور التي يشرحها لنا تاريخ اسرائيل ألم تكتب لتعليمنا ؟ فعندما يؤكد لنا ضميرنا - هذال القاضي الذي لا يرحم ولا يحابي - أننا أخطأنا ، هل نكون مستعدين للأعتراف . ألسنا - كآدام - نكون بالأحرى مستعدين لألتماس المعاذير ، ولفتورنا وخمولنا وعدم نشاطنا في أمور الرب ، وآخر شئ نفكر فيه هو أن < نقدس صوماًً > . ويحدث مراراًً أننا نظير داود نحتفظ لدينا بخطية مستورة خانقين صوت ضميرنا عندما يحاول التكلم ، ناسين أن الله قد رأى كل شئ ، إلي أن يطلع أخيراًً < يوم الرب العظيم المخوف جداًً > اليوم الذي فيه ينكشف كل شئ والذي فيه يصرخ المذنب أخيراًً < قد أخطأت إلي الرب > !
نعم ، إن التذلل شئ خطير ومؤلم . أنه مبضع الجراح عاملا في الأعضاء التي لم تمت ، ولذلك فإنها تحس وتصرخ عندما يصل السلاح إلي اللحم الحي . ولكن ما أثمن التذلل < قبل أن أذلل أنا ضللت > يقول المرنم < خير لي أني تذللت > ( مز 119 : 67 و 71 )
والبركة لا تتوانى . أنظر كيف تأتي سراعا . آه لو عرفنا هذا ! كم كنا نسارع في أحناء ركبنا ووضع جباهنا في التراب معترفين بخطايانا أمام الآب الذي هم أمين وعادل ليغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل أثم ! وكم هو مؤثر جواب الله العاجل بعد عشرين قرناًً من القساوة من جانب هذا الشعب الذي رفض مخلصه وملكه ! < فيغار الرب لارضه ويرق لشعبه 0 ويجيب الرب ويقول لشعبه هانذا مرسل لكم قمحاًً ومسطاراًً وزيتا لتشبعوا منها ولا أجعلكم أيضاًً عاراًً بين الأمم > 0 ( ع 18 و 19 )0 لقد قالت البقية < أشفق يارب علي شعبك > ( ع 17 ) مستندين علي ما كان هنالك من علاقة بين الله وشعبه قديماًً ومتمسكن بهذه العلاقة حتي وهم لا زالوا تحت حكم < لوعمي > ويوم الرب العظيم المخوف يقتص منهم وسرعان ما يجيب علي شعبه 0 فيرفع الحكم ويلاشى ويلغى إلي الأبد 0 وتعود العلاقة بالله تتوط وجميع البركات الأرضية النابعة من هذه العلاقة تتجدد لأن الأمر هنا يتعلق بشعب أرضي .. < وفي الموضع الذي قيل لهم لستم شعبي يقال لهم أبناء الله الحي > ( هو 1 : 10 ) . القمح والمسطار والزيت ، أو بعبارة أخرى التقدمة والسكيب ، التي انقطعت في الماضي بسبب الأحكام التأديبية التمهيدية ( 1 : 9 ) قد أصبحت من جديد نصيب الشعب الذي يشبع منها . وبيت الرب الذي ظل نصف أسبوع من السنين بدون ذبيحة وبدون تقدمة ( دا 9 : 27) يفتح من جديد ، وبستطيع الأمناء أن يقتربوا إلي الله في هيكله ولا يعودون فيما بعد < يسلمون للعار بين الأمم > الذين يقولون < أين إلههم > ( ع 19 ، 17 ) .
ولكن ماذا يعمل الرب بهذا الأشوري قضيب غضبه الذي أكتسح أرض اسرائيل وأستولى علي المدينة المقدسة .. يقول < والشمالي أبعده عنكم وأطرده إلي أرض ناشفة ومقفرة ، مقدمته إلي البحر الشرقي وساقته إلي البحر الغربي فيصعد نتنه وتطلع زهمته لأنه قد تصلف في عمله > ( ع 20 )
وهذا الحادث الذي لم يكن القضاء علي سنحاريب في عهد الملك حزقيا إلا صورة ضعيفة له ( 2 مل 19 : 35 ، 2 أخ 32 : 21 ) ويتكرر ذكره في النبوات التي تتحدث عن دينونة الأشوري في مستقبل الأيام . فيقول أشعياء ( ص 10 : 24 - 27 ) < ولكن هكذا يقول السيد رب الجنود لا تخف من أشور يا شعبي الساكن في صهيون يضربك بالقضيب ويرفع عصاه عليك علي أسلوب مصر . لأنه بعد قليل جداًً يتم السخط وغضبي في ابادتهم . ويقيم عليه رب الجنود سوطا كضربة مديان عند صخرة غراب وعصاه علي البحر ويرفعها علي أسلوب مصر . ويكون في ذلك اليوم أن حمله يزول عن كتفك ونيره عن عنقك ، ويتلف النير بسبب السمانة> . وكذلك في أشعياء 14 : 24 - 25 < قد حلف رب الجنود قائلاً أنه كما قصدت يصير وكما نويت يثبت . أن أحطم أشور في أرضي وأدوسه علي جبالي فيزول عنهم نيره ويزول عن كتفهم حمله > أما حزقيال تكلم عن جوج ، الأشوري ، قائلا < وتأتي من موضعك من أقاصي الشمال أنت وشعوب كثيرون معك ، كلهم راكبون خيلا ، جماعة عظيمة وجيش كثير . وتصعد علي شعبي اسرائيل كسحابة تغشى الأرض ، في الأيام الأخيرة يكون > . . < واستدعى السيف عليه في كل جبالي يقول السيد الرب . فيكون سيف كل واحد علي أخيه . وأعاقبه بالوبأ وبالدم ، وأمطر عليه وعلي جيشه وعلي الشعوب الكثيرة الذين معه مطراًً جارفاًً وحجارة برد عظيمة َبرََد عظيمة وناراًً وكبريتاًً > ( حز 38 : 15 - 16 ) ، 21 - 22 ) كما يذكر نفس النبي < هأنذا عليك يا جوج .. وأردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال وآتي بك علي جبال اسرائيل . وأضرب قوسك من يدك اليسرى وأسقط سهامك من يدك اليمنى . فتسقط علي جبل اسرائيل أنت وكل جيشك والشعوب الذين معك . أبُذُُلك مأكلاًً للطيور الكاسرة من كل نوع ولوحوش الحقل علي وجه الحقل تسقط لأني تكلمت بقول السيد الرب > ( 39 : 2 - 5 ) .. ها هو قد أتى وصار يقول السيد الرب . هذا هو اليوم الذي تكلمت عنه > ( 39 : 8 ) . وكذلك يقول دانيال < فيثور عليه ملك الشمال بمركبات وفرسان وبسفن كثيرة ، ويدخل الأراضي ويجرف ويطمو ، ويدخل إلي الأرض البهية فيعثر كثيرون ، وهؤلاء يفلتون من يد آدوم ومؤاب ورؤساء بني عمون . ويمد يده علي الأراضي .. واللوبيون والكوشيون عند خطواته . وتفزعه أخبار من الشرق ومن الشمال فيخرج بغضب عظيم ليخرب وليحرم كثيرين ، وينصب فسطاطه بين البحور وجبل بهاء القدس ، ويبلغ نهايته ولا معين له > ( دا 1 : 40 - 45 ) وأخيراًً نذكر ميخا 5 : 6 < فينقذنا من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخزمنا > .
وهكذا تتم الخطة الإلهية المرسومة وهي أن < الشمالي > ، أو بعبارة أخرى ملك الشمال ، الأشوري ، بعد أن ينهب أورشليم للمرة الأولي ويخرج منها قاصداًً غزو مصر يعود مرة ثانية إلي المدينة ( أورشليم ) والأرض البهية ( فلسطين ) لكن هناك يباد بتدخل الرب المباشر كما هو مكتوب < والشمالي أبعده عنكم > وعندئذ ، وعندئذ فقط ، يتم خلاص أورشليم النهائي ، ذلك الخلاص الذي تم جزئياًً مرة ، تاريخياًً ورمزياًً ، في عهد حزقيا حينما ضرب ملاك الرب 185.000 رجلاًً من جيش سنحاريب ملك أشور الذي كان حينئذاك محاصراًً أورشليم ولكنه لم ينجح في الأستيلاء عليها . هذا العدو سيطرد < إلي أرض ناشفة ومقفرة ( برية يهوذا ) مقدمته ( أي مقدمة جيشه ) إلي البحر الشرقي ( البحر الميت ) وساقته ( أي مؤخرة الجيش ) إلي البحر الغربي ( البحر الأبيض المتوسط ) > وستغطى جثث القتلى من هذا الجيش العرمرم الأرض < فيصعد نتنه وتطلع زهمته > ( وهنا إشارة جديدة إلي جيش الجراد الذي إذ يباد ينشر نتنه في الجو ) . وهكذا يحل الدمار المفاجئ المريع بهذا العدو الأخير < لأنه قد تصلف في عمله > ( ع 20 ) ( والترجمة الحرفية : لأنه قد تكبر ليصنع عظائم ) ولكن الله وحده صانع العظائم ولذلك يقال علي الفور < لا تخافي أيتها الأرض ، أبتهجي وأفرحي ، لأن الرب يعظم عمله > ( ع 21 ) وهي نفس العبارة المستعملة في ع 20 ، والواقع أن كبرياء الإنسان التي تسبق الكسر ، وكراهته لله وشعبه التي تجعله يدبر الغارات المفاجئة العنيفة وألوان الشر والسلب والنهب - كل ذلك ينتهي إلي لا شئ عندما يقوم الله ليتدخل في الأمر . أي نعم ، إن اله وحده هو الذي يصنع عظائم أو يعظم عمله . وإذا كانت أحكامه عظيمة ، وإذا كان < يومه عظيم ومخوف جداًً > ، وإذا كان الأشوري الذي به يؤدب شعبه هو < جيشه العظيم > ( ع 25 ) فإن رحمته ونعمته وخلاصه أعظم . والواقع أن عظمة صفاته الإلهية تتجلى في أنه ُيخرج من الآكل أكلاًً ومن الجافي حلاوة ، ومن أحكامه يخرج خلاصه وإنقاذه . ولذلك فهو له المجد ، وقبل كل شئ ، عظيم في التوفيق بين صفاته التي لا تقبل التوافق إطلاقاًً عند الإنسان ، وهي بره ونعمته ، وقداسته ومحبته . أي نعم ، إن الرب سيصنع عظائم ( أو يعظم عمله ) لشعبه القديم الذي سيعترف بهذه الأعمال العظيمة في فجر ُملك المسيا ولكنه ، تبارك اسمه ، قد صنع هذه العظائم فعلاًً لأجلنا نحن مؤمني العهد الجديد دون أن يكلفنا شيئاًً ، أي دون أن يلزمنا أجتياز يوم الضيقة ، يوم الرب العظيم ، لكي نختبر هذه الأعمال العظيمة ونعرفها ! فهناك في الجلجثة ، مكان الدينونة التي أنصبت علي بديلنا المبارك ، هناك ، حيث بذل الله أبنه الحبيب ، قد تم الصلح والسلام بين كراهية الله للخطية ومحبته للخاطئ .
< لا تخافي يا بهائم الصحراء ، فإن مراعي البرية تنبت ، لأن الأشجار تحمل ثمرها ، التينة والكرمة تعطيان قّوّّتهما > ( ع 22 ) . فعلي أثر هزيمة الأشوري تنتهي جميع الكوارث التي كانت تعانيها البلاد فيعود إلي الأرض أخضرارها ، وتغطي المزروعات الحقول ، والتينة والكرمة - الصورتان البهيجتان لشعب الله القديم - تحملان ثمرها ، والتقدمة والسكيب يقدمان للرب من جديد . ونقرأ نفس هذه المواعيد في حزقيال 36 : 29 - 30 حيث يقول < وأدعوا الحنطة وأكثرها ولا أضع عليكم جوعاًً . وأكثر ثمر الشجر وغلة الحقل لكيلا تنالوا بعد عار الجوع بين الأمم > .
< وأعوض لكم عن السنين التي أكلها الجراد ، الغوغاء والطيار والقمص ، جيشي العظيم الذي أرسلته عليكم > ( ع 25 ) هذه الكلمات تعود بنا إلي الأصحاح الأول ولا تشير إلي جيوش الأشوري . فالأمر هنا يتعلق ببركة الأرض بعد أن حلت بها الكوارث كأحكام تأديبة أيام قساوة الشعب وعدم إيمانهم . والواقع أن عهد السلام الذي ستتمتع به الخليقة تحت حكم المسيا ليس من الحقائق القليلة الأهمية ، وأن هذا الفكر يجب أن يملأ قلوبنا بالفرح والرجاء < لأن الخليقة نفسها أيضاًً ستعتق من عبودية الفساد إلي حرية مجد أولاد الله . فأننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاًً إلي الآن > ( رو 8 : 21 - 22 ) .
<وأنتم ، يا بني صهيون ، أبتهجوا وأفرحوا بالرب إلهكم لأنه يعطيكم المطر المبكر علي حقه ( أي بالقدر اللازم ) وينزل عليكم مطراًً مبكراًً ومتأخراًً في أول الوقت > ( أي في أول الموسم ) . المقصود هنا بركات زمنية محض . المطر المبكر أي المطر الأول الذي يلي ألقاء البذار ثم المطر المتأخر أي المطر الثاني الي علي أثره يترعرع الزرع وينضج ويبشر بحصاد وفير . ولكن لنلاحظ أن بركة الأمطار المترتب عليها هذا الحصاد والثمر الوفير مرتبطة ومقترنة بحضور الرب ، المسيا ، الملك ، وسط شعبه ... < خروجه يقين كالفجر ، يأتي إلينا كالمطر ، كمطر متأخر يسقي الأرض > ( هوشع 6 : 3 ) < في نور وجه الملك حياة ورضاه كسحاب المطر المتأخر > ( أمثال 16 : 15 ) ففي ذلك الوقت يعود الرب ويأخذ مكانه من جديد بين شعبه اللذين كانوا قبلاًً < لوعمي > أي ليسوا شعبي ويعترف بعلاقته بهم علانية . وفي ذلك الوقت أيضاًً يفرح الشعب نفسه ويبتهج باسم إلهه < وتسبحون باسم الرب إلهكم . الذي صنع معكم عجباًً . ولا يخزى شعبي إلي الأبد . وتعلمون أني أنا في وسط اسرائيل وأني أنا الرب ، إلهكم ، وليس غيري . ولا يخزى شعبي إلي الأبد > ( ع 26 - 27 ) . لقد انتهي كل خزى الماضي وأصبح نسياًً منسياًً . وقد أخذ رب المجد مكانه بين شعبه .
هكذا ينتهي هذا القسم من سفر يوئيل
الأصحاح الثاني 28 - 32
أنسكاب الروح

هنا نجد قسماًً جديداًً من الموضوع . وقد روعي هذا التقسيم في كتب التوراة العبرية التي تبدأ الأصحاح الثالث بالعدد 28 من أصحاحنا . والحق أن النبي ينتقل من البركات الزمنية المؤكدة لأرض فلسطين ، من الأمطار المبكرة والمتأخرة ، إلي البركات الروحية التي يأتي بها حضور المسيح إلي شعبه الأرضي وإلي جميع الأمم أيضاًً
< ويكون بعد ذلك أني أسكب روحي علي كل بشر > ( ع 28 ) .. < بعد ذلك > - أي بعد إبادة الأشوري ، ولكن هذه الإبادة نفسها تأتي بعد توبة الشعب توبة قلبية . فالواقع أنه بعد الصوم المقدس والأعتكاف ، بعد تغلغل التوبة الحقيقة في أعماق قلب المختارين ، بعد هذا وليس قبله ، أنهزم العدو وباد . وعندئذ سوف لا يغمر شعب الله القديم بالبركات الأرضية فقط بل سيكون لهم نصيب في جميع خيرات العهد الجديد الذي سيصنعه الرب < مع بيت اسرائيل ومع بيت يهوذا > . فبقوة عمل الروح القدس وتأثيره سينالون قلباًً جديداًً قادراًً علي معرفة الرب إلههم ، الذي لا يعود يذكر خطاياهم ولا تعدياتهم فيما بعد ( أرميا 31 : 31 - 34 ) . وأنسكاب الروح القدس هذا ، بالعلاقة مع هذا ، بالعلاقة مع العهد الجديد المعطي لشعب الله القديم ، كثيراًً ما يشير إليه الأنبياء .. < وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم من جميع الأراضي وآتي بكم إلي أرضكم .. وأعطيكم قلباًً جديداًً وأجعل روحاًً جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم . وأجعل روحي في داخلكم > ( حز 36 : 24 - 27 ) .. < ولا أحجب وجهي عنكم بعد لأني سكبت روحي علي بيت اسرائيل يقول السيد الرب > ( حز 39 : 29 ) .. < وأفيض علي بيت داود وعلي سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات > ( زك 12 : 10 )
ولكننا نرى هنا بركة تتجاوز كثيراًً حدود اسرائيل ويهوذا .. < أني أسكب روحي علي كل بشر > .. فهذه العطية المباركة سوف لا تسكب فقط علي الشعب المختار بل علي جميع شعوب الملك الألفي الذين سيكونون قد آمنوا بإنجيل الملكوت ( رؤ 7 : 9 ) .
< فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماًً ويرى شبابكم رؤى . وعلي العبيد أيضاًً وعلي الإماء أسكب روحي في تلك اليام > ( ع 28 - 29 ) . ومن الملذ للغاية التأمل في أقتباس هذا النص من سفر الأعمال ( ص 2 : 17 - 21 ) . لقد كان صليب المسيح المكان الذي تحققت فيه دينونة الإنسان الكاملة والنصرة علي العدو في الوقت نفسه . وعلي أثر هذه النصرة ذهب المسيح المقام من الأموات بعد أن < سبي سبياًً > ليجلس عن يمين العظمة في الأعالي ومن هناك أستطاع أن يعمد بالروح القدس أولئك الذين آمنوا به . وقد تمت هذه الحقيقة العظمي يوم الخمسين ، وجميع الذين آمنوا من الشعب اليهودي حصلوا علي معمودية الروح القدس وصاروا به جزءاًً من الجسد الواحد . ولكن قبول عطية الروح القدس هذا لم يتم إلا علي أساس الإيمان والتوبة القلبية الصادقة . ومن أجل هذا قال بطرس للذين نخسوا في قلوبهم عندما علموا أنهم صلبوا مسياهم < توبوا وليعتمد كل واحد منكم علي اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس > ( أع 2 : 37 - 38 ) . ففي حالة تلاميذ الرب يسوع الأوائل تمت التوبة عند معمودية يوحنا المعمدان بالنظر إلي المسيا آتياًً إلي ملكزته الأرضي ولكن إذ رفض هذا المسيا من الشعب وصلب فقد أنتظر التلاميذ اللحظة التي فيها يعمدهم الرب يسوع بالروح القدس تتميماًً لكلمة يوحنا المعمدان إليهم ( مت 3 : 11 ) . وقد أيد الرب هذه الكلمة لتلاميذه عند قيامته . ( لو 24 : 49 ) لأنه لم يكن ممكناًً أن يصبحوا شركاء في نوال عطية الروح القدس بدون إتمام هذا الحادث العظيم - موت الرب وقيامته . وبهذه الكيفية خلصت بقية أولي يهودية وضمت إلي الكنيسة . فلو أن عطية الروح القدس قبلت في تلك اللحظة من الأمة ومجموع الشعب لكانوا وفروا علي أنفسهم الدينونة المريعة التي حاقت بهم بعد ذلك ، ولكن اسرائيل لم يكتف برفض مسياه ، ابن الله ، بل رفض أيضاًً الروح القدس . ورجموا استفانوس الذي كان ممتلئاًً به وحاملا اياه أمام أعين الجميع . وكان من نتيجة هذه الجريمة ، تتميماًً للنبوة الواردة في مت 22 : 7 ، أن < غضب الملك وأرسل جنوده وأهلك أولئك القائلين وأحرق مدينتهم > الأمر الذي تم حرفياًً سنة 70 ميلادية علي يد تيطس الروماني الذي هدم أورشليم وأحرقها . ولما كان هذا القضاء وشيك الوقوع في تلك الأيام نجا منه جميع الذين كانوا قد تعمدوا بالروح القدس لأنهم كانوا قد < خلصوا من هذا الجيل الملتوي > ( أع 2 : 40 ) هذا وقد كان لقساوة اسرائيل نتيجة ثانية - ليس فقط بقية يهودية خلصت وأخذت مكاناًً في الكنيسة ، بل فتح الباب للأمم كقول يوئيل < أسكب روحي علي كل بشر > وأيضاًً < كل من يدعو باسم الرب ينجو > ( ع 28 و 2 ) . ومن ذلك الوقت ، أصبح للجميع ، يهوداًً وأمماًً ، وهم مصالحون في جسد واحد مع الله بالصليب ، حتي الأقتراب إلي في روح واحد ( أف 2 : 16 و 18 ) . وهكذا بدأ عصر الكنيسة علي الأرض : فبعد رفض اسرائيل ، أعد الرب لنفسه عروساًً ، لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن ، أثمن ألف مرة وأمجد بكثير من العروس اليهودية ؛ عروس تكون معه وبرفقته إلي أبد الآبدين ، حبيبته في المجد السماوي . أن تكوين الكنيسة قد بدأ علي الأرض وكل طرق الله من نحوها تأخذ مجراها في الوقت الحاضر . وبمجرد أن تخطف الكنيسة من الأرض إلي السماء عند مجئ الرب تبدأ طرق الله من نحو شعبه القديم ، المرفوض اليوم ، تستعيدها مجراها من جديد . هذا ما تؤكده لنا جميع النبوات . فإن شعب الله القديم سيستمر في عدم إيمانه - أولئك اللذين لم يقبلوا ابن داود ملكاًً عليهم سيقعون تحت نير المسيح الكذاب وبينما تكون الكنيسة ، أورشليم الجديدة ، جالسة تلمع في المجد السماوي ، يكون علي أورشليم الأرضية أن تعاني مرة ثانية جميع فظائع الحصار ليستولى عليها المسيح الكذاب . وقد رأينا وصف هذه الأهوال المريعة في مستهل أصحاحنا .
ولكن حينئذ ، تبرز يهودية بقية ثانية ، أو بعبارة أخرى بقية المستقبل ، يتصل تاريخها - بعد أختطاف الكنيسة التي كانت أشبه بجملة عرضية في مجرى الزمن - بتاريخ البقية الأولي التي كانت تحيط بالرب أثناء تجسده علي الأرض في أشخاص تلاميذه . وهذه البقية الثانية تتحول إلي الرب إذ يكون البرقع الذي كان يغطي قلبها قد رفع ( 2 كو 3 : 16 ) وبينما هي تجتاز آلام الضيقة العظيمة تعترف بذنبها ويقودها الهجوم الأخير من جانب العدو الأشوري إلي الحكم الكامل علي ذاتها وإلي التوبة الصحيحة الموصوفة في أصحاحنا . وبعد هذه التوبة ونصرة الرب النهائية علي الأشوري يتم أنسكاب الروح القدس للمرة الثانية علي شهود النهاية ، كما تم الأنسكاب الأول بعد نصرة الصليب والقيامة التي كانت البرهان علي تلك النصرة .. وعطية الروح القدس في ذلك اليوم الآتي ستجعل من البقية ليس كاليوم شعباًً سماوياًً بل شعباًً أرضياًً للمسيا يكون مركزه أورشليم الأرضية ، مدينة الملك العظيم . حينئذ يتم المكتوب القائل < ولا أحجب وجهي عنهم بعد لأني سكبت روحي علي بيت اسرائيل يقول الرب > ( حز 39 : 29 ) ونلاحظ في حزقيال أن هلاك جوج ، الأشوري ، ومن بعده أعطاء الروح القدس ، هما أول حادث يجب ذكره قبل أن ينتقل النبي في الأصحاحات 40 - 48 إلي وصف هيكل أورشيلم ومملكة اسرائيل أثناء الملك الألفي وليس الأمر هكذا في يوئيل كما سنرى في الأصحاح الثالث ومع ذلك فإن بركة أورشليم مرتبطة هناك ، كما في حزقيال ، بأنسكاب الروح القدس < لأنه في جبل صيهون وفي أورشليم تكون نجاة ، كما قال الرب ، وبين الباقين من يدعوه الرب > ( يوئيل 2 : 32 ) فإن الخلاص الذي يحدثنا عنه يوئيل لا يتم إلا بهلاك الأشوري وهو الشخصية الوحيدة التي تشير إليها نبوته في الأصحاح الثاني لأن الوحش الروماني والمسيح الكذاب اللذين يتكرر ذكرهما في دانيال وبصفة خاصة في سفر الرؤيا لا ذكر لهما في نبوة يوئيل إطلاقاًً .
ويتضح من كل ما قلناه أن الفصل الوارد في أعمال الرسل ( ص 2 : 16 - 21 ) لم يكن التتميم الكلي لنبوة يوئيل ، وهذا ما حرص الرسول بطرس علي توكيده حينما قال < أن هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون 000 بل هذا ما قيل ييوئيل النبى > ( قارن مت 1 : 22 ، 2 : 15 و 23 ) فالذى حدث يوم الخمسين تحت بصر الجميع لم يكن شيئاًً مصطنعاًً بل كان من عمل وأنتاج الروح القدس 0 والفصل الذى اقتبسه الرسول بطرس كان يشير إلي أشياء تمت فعلاًً وقت أن كان يتكلم وإلي أشياء أخرى كانت لا تزال محفوظة لوقت آت 0 ويكفى أن نشير إلى هذه الأشياء الأخرى بوضعها بين قوسين ، وإليك الأقتباس لتقرأه على هذه الصورة : < يقول الرب ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحى علي كل بشر ( فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماًً ) وعلي عبيدى أيضاًًوإمائى أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون ( وأعطى عجائب في السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل دماًً وناراًً وبخار دخان 0 يتحول الشمس إلي ظلمة والقمر إلي دم قبل أن يجىْْ يوم الرب العظيم الشهير ) ويكون كل من يدعو باسم الرب يخلص > 0 ولاحظ هنا كلمة عبيدى وإمائى ، أى التابعين للرب ، في حين وردت في يوئيل وفى الترجمة السبعينية للنص العبرانى < العبيد والاماء > أى التابعين للاْسرة اليهودية 0 وفى الوقت نفسه قد جاءت هذه الكلمة غامضة في يوئيل بحيث تفسح المجال مقدماًً للعبيد بحصر اللفظ الذين كانوا ولا زالوا موجودين في أزمنة الكنيسةوالذين سوف لا يكونون معروفين في أومنة رد أسرائيل المستقبلة 0 لاحظ أيضاًً أن بطرس يقول < في الأيام الأخيرة > وليس < بعدذلك > كمافى يوئيل 0 وهذا يدل بصورة قاطعة على أن نبوة يوئيل ما كان ممكناًً أن تتم نهائياًً يوم الخمسين وأنما فقط < بعد ذلك > أى بعد هزيمة الأشورى ، في حين أن < الأيام الأخيرة > المسماة في مكان آخر < أواخر الدهور > قد أدركتنا منذ رفض المسيح من اليهود والعالم 0 أما الشئ الذى يميز يوم الخمسين كما يميز يوم نبوة يوئيل فهو وجود ثلاثة أشياء في كليهما وهى التوبة والخلاص من العدو ، وانسكاب الروح على كل بشر 0 ولكن ، من الناحية الأخرى ، هناك شئ خطير يبرز يوم الخمسين وهو أن الروح القدس يعطى برهاناًًودليلاًً على قيامة المسيح وصعوده وأنه يجمع في جسد واحد جميع الذين يؤمنون 0 ويوئيل يعلن زماناًً مستقبلاًً فيه يفتح الباب للأمم ، في حين يعلن الرسول في سفر الأعمال أن الباب قد فتح (ص 2 : 39 ) ونجد في الأصحاح الأول من هوشع نفس النبوة المؤيدة في رو 9 : 26 بشأن دخول الأمم في البركة ، وغاية ما هنالك أن كلمة< كل بشر >فى يوئيل لا تشير في المكان الأول إلي دخول الأمم الحالي في الكنيسة بمعمودية الروح القدس بل الي دخول الأمم < الجمع الكثير الذي لم يستطيع أحد أن يعده > ( رؤ 7 : 9 ) وإلي دخولهم في بركة الملك الألفي التي سيتمتع بها شعب الله 0 وفي العدين 30 و 31 من الأصحاح الثانى يتوقف النبى قليلاًً عن الاسترسال في موضوعه ليفتح قوساًً يضع فيه جملة عرضية تبين أن عجائب أو علامات ستحدث قبل يوم الرب < وأعطي عجائب في السماء والأرض دماًً وناراًً وأعمدة دخان . تتحول الشمس إلي ظلمة والقمر إلي دم قبل أن يجئ يوم الرب المخوف > .. وهذه العجائب أو العلامات ترتبط بموضوع الأصحاح الذي نحن بصدده ، وهو غزوة الأشوري ، والواقع أن هذه الغزوة يطلق عليها هنا < يوم الرب عظيم ومخوف جداًً > ( 2 : 11 ) وتسبقها علامات كما يقول < قدامه ترتعد الأرض وترجف السماء . الشمس والقمر يظلمان > ( عدد 10 ) . وهذا الفصل يقابله ، كما يبدو لنا الأصحاح السادس من سفر الرؤيا حيث < زلزلة عظيمة حدثت والشمس صارت سوداء كمسح من شعر والقمر صار كالدم > وذلك قبل يوم غضب الخروف لأنه رغماًً عن رعب الناس وخوفهم فإن هذا الغضب لا يتم في تلك اللحظة بالذات ( رؤ 6 : 12 و 17 ) والعجائب أو العلامات المشار إليها تسبق يوم الرب ( المعبر عنه هنا بغزوة الأشوري ) ولكن هناك علامات أخري تأتي بعده وتتم في لحظة مجئ ابن الإنسان وهي ما نقرأ عنها في ( مت 24 : 29 و 30 ) حيث يقول و < للوقت بعد ضيق تلك الأيام ( الضيق الذي آخره غزوة الأشوري ) تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماء تتزعزع وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء > .. إذن فالعلامة ، التي هي ظهور ابن الإنسان ، تسبقها مباشرة علامات . وهذه العلامات نجدها في ص 13 : 5 من نبوتنا حيث يقال < الشمس والقمر يظلمان والنجوم تحجز لمعانها . والرب من صهيون يزمجر ومن أورشليم يعطي صوته > . وهنا يبدو واضحاًً أن العبارة العرضية الصغيرة في العددين 30 و 31 موضوعة عمداًً لتباين الفارق بين العطية السماوية ، عطية الروح القدس ، التي ترافق توبة ونجاة البقية من جهة والأنقلابات الأرضية التي تسبق دينونات الرب وأحكامه علي الشعب المرتد من الجهة الأخرى ولذلك ينهي النبي عبارته بالقول < ويكون أن كل من يدعو باسم الرب ينجو . لأنه في جيل صهيون وفي أورشليم تكون نجاة . كما قال الرب . وبين الباقين من يدعو الرب > ( ع 32 ) وكما سبق أن رأينا لن يكون الخلاص في ذلك الوقت قاصراًً علي حدود يهوذا الضيقة ، أو حدود أورشليم ، بل أنه سيتعدى هذه الحدود كثيراًً ، فيقدم إلي < كل من > ، تماماًً كما يقال في مكان آخر < لا يهلك كل من يؤمن به > فكما أنه بفضل عمل المسيح علي الصليب لا يوجد اليوم أي تمييز أو فرق < بين اليهودي واليوناني لأن رباًً واحداًً للجميع غنياًً لجميع اللذين يدعون به > وإن < كل من يدعو باسم الرب يخلص > ( أنظر رو 10 : 12 و 23 الذي فيه يقتبس الرسول آيتنا ) هكذا تماماًً سيكون الحال في يوم آت ، مع فارق واحد وهو أنه في ذلك اليوم الآتي الذي يتكلم عنه يوئيل النبي سيكون جبل صهيون وأورشليم موضوع الخلاص الأرضي في حين أن موضوع البركة السماوية اليوم هي الكنيسة ، ومع ذلك فهناك الحقيقة الخالدة وهي أن جميع < الباقين اللذين يدعون الرب > أو علي حد تعبير الكتاب < وبين الباقين من يدعوه الرب > سيكون لهم نصيب في ملك المسيح المجيد علي الأرض ، وهؤلاء الباقون كما نتعلم من الفصل الذي نحن بصدده لا يتكونون فقط من بقية يهوذا واسرائيل بل من بقية الأمم أيضاًً كما يخبرنا الأصحاح السابع من سفر الرؤيا

الأصحاح الثالث
يوم الرب أو دينونة الأمم

يطالعنا الأصحاح الثالث بمظهر جديد من مظاهر يوم الرب . فقد أرانا الأصحاح الأول أنه قريب باقتراب غزوة الجراد إذ تأوه النبي قائلاًً < آه علي اليوم لأن يوم الرب قريب > ( 1 : 15 ) وقد أرانا أياه الأصحاح الثاني كالقادم والقريب بإقتراب غزوة الأشوري الذي لم يكن جيش الجراد في الأصحاح الأول إلا رمزاًً له ( 2 : 1 ) وكالذي لا بد أن تسبقه عجائب أو علامات ( ع 31 من نفس الأصحاح ) وأخيراًً كالذى قد جاء فعلاًً بمجئ غزوة الأشورى ( 2 : 11) 0
لقد رأينا فيما سبق أنه بعد توبة يهوذا وأورشليم سيباد الأشورى ويسكب الروح القدس على البقية وعلى البشر 0 ولكن بقى علينا أن نرى أعداء آخرين يبادون وهؤلاء هم كل الأمم مجتمعين ضد أورشليم 0 ويوم دينونتهم هو أيضاًً يوم الرب ، تماماًً كيوم هزيمة الأشورى 0 والواقع أن حوادث الأصحاحين الثانى والثالث تجرى معاًً في وقت واحد وهى ليست منفصلة في يوئيل إلا لتبين الموضوع الرئيسى الذى كان يهدف إليه النبى في ذلك الوقت وهو هجوم الأشورى وابادته 0 والواقع أن الأشوري داخل في الأصحاح الثالث ضمن دينونة كل الأمم ، وهو غير مذكور شخصياًً هناك لأن مصيرة الخاص قد عولج بالتفصيل في ألأصحاح الثانى 0 بل أننا نتعلم من دانيال وسفر الرؤيا أن دينونة الشعوب المرتدة الممثلة في الوحش الرومانى والنبى الكذاب ولكنها تتبعها على الأثر الأمر الذى يضع الأصحاح الثالث تاريخياًًوعلى نوع ما قبل الأصحاح الثانى 0 وهنا نلاحظ أن الوحى يستخدم نفس التغبيرات في هذين الأصحاحين لوصف يوم الرب مبيناًً بذلك أن المقصود هو نفس اليوم 00 < يوم الرب قريب في وادى القضاء > ( 3 : 14 قارن 2 : 1 ) 0 ومما يؤيد ما ذهبنا إليه من وقوع هذه الحوادث في وقت واحد هو أن البركة الألفية مذكورة بعد هزيمة وادى يهوشافاط كما هى مذكورة بعد هزيمة الأشورى ( 2 : 23 - 27 ، 3 : 4 -7 ) 0
أذن فالفصول المختلفة للمسرحية الأخيرة يطلق عليها جميعاًً يوم الرب ، ولكن الأصحاح الثالث يطالعنا بالصورة الكاملة للفصل الأخير من الرواية 0 والخلاصة أن بقية ستتكون علي أثر توبة يهوذا وأورشليم ويسكب عليها الروح القدس 0 وتحدث نجاة للباقين الذين يدعوهم الرب 0 وهذه هي الأيام التى فيها يرد الله سبى يهوذا وأورشليم ( 3 : 1 ) وذلك لأن الموضوع في يوئيل كما لاحظنا فيما سبق لا يتعدى البقية منظوراًً إليها من خلال هذه الزاوية الضيقة وليس < السبى > كاملا ، أى سبى أسرائيل ويهوذا 0 فلكى يحقق الرب لشعبه خلاصاًً كاملاًً لا بد أن يقع بقية الأمم تحت نفس القضاء الذي يقع تحته الأشورى كما يقول < أجمع كل الأمم وانزلهم إلي وادى يهوشافاط > ( 3 : 2 )
لقد كتب الكثيرون عن < وادى يهوشافاط > ولقد تناوله المفسرون والشراح بالكثير من البحث والمناقشة 0 فما هو وادى يهوشافاط وأين هو بالضبط ؟ هناك تقليد لا أصل له من كلمة الله يحدد مكانه في وادي قدرون الذى يفصل أورشليم عن جبل الزيتون 0 وهذا التقليد الذى لا زال قائماًً إلي يومنا الحاضرين بين اليهود وغيرهم من أصحاب الديانات الأخري لا يتعدى تاريخه القرون الأولى من عهدنا المسيحى ، وكلهم يعتبرونه مكان الدينونة الأحيرة أى < دينونة الأموات > لأنهم يجلهون < دينونة الأحياء > أو دينونة الأمم وهم بعد أحياء لم يموتوا ، وهي الدينونة التى تحدثنا عنها النبوات كثيراًً وبصفة خاصة نبوة يوئيل 0 وقد يكون مرجع هذه الأسطورة أن أورشليم مذكورة بالعلاقة مع مشهد الدينونة ( 3 : 16 ، زك 14 : 4 ) 0 ولكن المشهد نفسه أو المكان لا يمكن أن يحدد ولا ينبغى أن يحدد 0 بل أن الكلمة نفسها المستخدمة للتعبير عن < الوادى > ( وهى إيمك في العبرية ) لم ترد أطلاقا للتعبير عن وادى ضيق كالذى يفصل أورشليم عن جبل الزيتون 0
ويجب أن تتذكر قبل كل شئ أن كلمة يهوشافاط معناها يهوه يقضي وأن لها علاقة مباشرة بموضوع أصحاحنا الذي يستعرض أمامنا قضاء الرب علي الأمم والمكان الذي سيتم فيه هذا القضاء كوادي القضاء ( أو بعبارة أخرى < المقضي به > قارن أشعياء 10 : 22 ) . إذن فهذا الإسم له معني رمزي ولا يدل علي مكان معين . ومن جهة أخرى لست أشك في أنه يتضمن إشارة إلي تاريخ الملك يهوشافاط المذكور في 2 أخ 20 ، ذلك لأنه يجب أن لا يغرب عن بالنا أن موضوع أصحاحنا هو دينونة الأمم تمهيداًً لبركة البقية التائبة . وتاريخ يهوشافاط يعطينا بالضبط تاريخ خلاص البقية نتيجة لتوقيع قضاء الله علي أعدائهم . وقد كان ذلك في نهاية صعودهم من عقبة صيص الوادي الذي أمام برية يروئيل المؤدي إلي برية تقوع . هناك تمت نصرة يهوشافاط علي الجمهور الكثير من الأمم الصاعدين ضد أورشليم ( ع 12 و 15 ) .
لم يكن يهوشافاط أميناًً لإلهه عندما تحالف مع آخاب ملك اسرائيل الشرير ( 2 أخ 18 ) ... وتحت ضغط العدو صرخ وهو في وسط المعركة والرب أعانه ( 18 : 31 ) . ولم يكن أميناًً مرة ثانية عندما تحالف مع يهورام ابن آخاب وملك أدوم ضد موآب . كان ذلك عاراًً علي شهادته كعبد الرب ( 2 مل 3 ) .. وقد أثارت هزيمة موآب لدى ذلك الشعب المتكبر ( موآب ) كراهة قاسية ضد يهوذا مما دعاه إلي ربط أواصر التحالف مع بني عمون وسكان جبل ساعير ( أدوم ) وقام مع حلفائه العديدين بالهجوم علي بلاد يهوشافاط ، بعد إذ عبروا البحر الميت وعسكروا في عين جدى . وكل ذلك كان أثراًً عدم أمانة الملك وهو أيضاًً صورة مصغرة لعدم أمانة يهوذا وأورشليم . وقد أدرك يهوشافاط سر الضيقة وتنبه إلي موضع الخطر . فقبل أن يتقدم لمواجهة العدو نادى بصوم وجمع الشعب < وكان كل يهوذا واقفين أمام الرب مع أطفالهم ونسائهم وبنيهم > ( 2 أخ 20 : 3 و 13 ) . وهذا الصوم يذكرنا بالصوم المذكور في يوئيل ( 2 : 15 ) وبعدئذ ، وفي ضعفه المتناهي ، يدعو يهوشافاط باسم الرب ملتمساًً الخلاص والأنقاذ ... < يا إلهنا ، أما تقضي عليهم لأنه ليس فينا قوة أمام هذا الجمهور الكثير .... ولكن نحوك أعيننا > ( 2 أخ 20 : 9 و 10 ) .. ونحن نكاد نسمع نفس الألتماس خارجاًً من أعماق الشعب المذلول في يوئيل 2 : 17 ، وعندئذ يعلن الرب أن الحرب ليست لهم - با لله ( 2 أخ 20 : 15 ) وأن روح الرب في وسط الجماعة ( ع 14 ) كما أنه في يوئيل نصيب البقية المبارك ( يوئيل 2 : 28 ) . وهكذا ينزل رجال يهوشافاط المتجردون أمام هذه الجماهير الكثيرة من الأعداء إلي برية تقوع لا لكي يحاربوا بل لكي ينظروا خلاص الرب الذي معهم ( ع 17 و 21 ) فيلاقون العدو في الوادي ( نفس الكلمة العبرية إيمك المستعملة في يوئيل 3 : 2 و 11 و 14 ) ويصبح وادي القضاء هذا في نظر يهوشافاط وشعبه وادي البركة . وبعد النصرة أنشدوا أنشودة الملك الألفي المشهورة قائلين < أحمدوا الرب لأن إلي الأبد رحمته > ( 20 : 21 ) .
كل هذا كما سبق القول ينقل أفكارنا بقوة إلي المشهد الموصوف في يوئيل . فكنتيجة لعدم أمانة اسرائيل في وسط الأحكام والضربات المترتبة علي ذلك تجتمع الجماعة وينادي بالصوم والتوبة وتتهيأ يهوذا وأورشليم للإصغاء والأستماع ويسكب الروح القدس . ويصعد الأمم في جماهير كثيرة ضد أورشليم إلي وادي القضاء ، وهناك يبادون . والرب نفسه هو الذي يجري القضاء وليس شعبه . وهذا نفس ما سيحدث عندما يخرج ملك الملوك من السماء بجنوده ويضرب الأمم بالسيف ذي الحدين الخارج من فمه ( رؤ 19 ) ...

تأملات
في
سفر ملاخي

تقديم
يحمل ملاخي كلمة الرب الأخيرة لاسرائيل . وهي كلمة مليئة بعبارات العتاب والتوبيخ . ولا عجب فإن البقية الراجعة عن السبي قد فشلت فشلاًُ ذريعاًً ، كما تركهم النبي زكريا علي أساس المسؤلية ، رغم طول أناة الله وأعمال نعمته من جهتهم . فيعقوب ، رغم أنه محبوب ، قد أفسد طريقه وقد مل وتعب وتذمر من خدمة الرب ومطاليب قداسته . والكهنة أيضاًً قد أفسدوا عهد لاوي حتي سيرهم الرب مع الأسف الشديد محتقرين ودنيئين عند كل الشعب . فماذا بقي بعد كل ذلك وبعد كل هذا المطاف الطويل ؟ لم يبق أمامه له المجد إلا أن يرسل ملاكه ويحضر بنفسه . ولكن منذا الذي يحتمل يوم مجيئه ويثبت عند ظهوره ؟ ومع ذلك فإنه تبارك اسمه يعترف بكل عطف وحنان بالبقية الصغيرة التي كلم أفرادها بعضهم البعض وتفكروا في اسمه وسط الخضم المحيط بهم من رياء اليهود وعدم إيمانهم ، ويعلن أن هذه البقية من الأتقياء المفكرين في اسمه سيكونون له خاصة في ذلك اليوم الذي هو صانع - اليوم الذي سيتقد كالتنور لجميع المستكبرين . أما للمتقين وخائفي اسمه فتشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها فيخرجون كعجول الصيرة ويدوسون الأشرار في ذلك اليوم وأخيراًً يذكرهم بناموس موسي ويعدهم بإرسال إيليا النبي قبل مجئ ذلك اليوم الرهيب ليرد قلوب الشعب لئلا يكون إتيانه ليس سوي لعنة .
ليت الرب يبارك هذه التأملات المختصرة في هذا السفر الأخير الصغير لتكون سبباًً في أنهاضنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور وقد صرنا علي قاب قوسين أو أدني من مجئ الرب الثاني .
له المجد في كنيسته آمين ،

مقدمة

لم يشأ الرب أن يعطينا معلومات محددة كثيرة عن الأنبياء بصفة عامة فيما عدا أشعياء وأرميا ودانيال ، وعلي نوع ما حزقيال ويونان . أما عن الآخرين فنحن لا نعرف إلا القليل جداًً ، وعن ملاخي بصفة خاصة ، حتي أن ذلك أدى بالبعض أن يتخيلوا فيه ما شاء لهم الخيال ، بل أن يشكوا ( وذلك هو شأن العلماء دائماًً ) في وجوده علي الإطلاق . أما نحن فلا نرى هدفاًً يصاب أو فائدة ترجى من مثل هذه المضاربات والخيالات . كما أننا نرى سبباًً لماذا يفترض بعض الناس أن ملاخي لم يكن إنساناًً بالمرة بل كان ملاكاًً . ونحن نسمح لأنفسنا بأن نشير في إيجاز إلي هذه الأوهام والخيالات ولو فقط لنبين مدى ما هنالك من أفتقار حتي لمجرد الذوق السليم لدى أولئك الذين يستندون علي الخيال في مناقشتهم لأمور الله ، ولكي نحذر النفوس من هذه الأساليب التافهة التي يشغلون بها أنفسهم وقراءهم .
ولا شك أن الله له غرض حينما لا يتكلم كما له غرض حينما يتكلم . والفارق الجوهري الذي يميز النبي عن غيره من الناس هو أنه يعطينا ليس فكر الإنسان بل أعلانات الله ، ولو أن هذه الأعلانات هي بكل يقين لخير الإنسان . وعلي ذلك فإذا كان شخص النبي مستوراًً عنا فمن الخير ومن الأفضل أن نتركه هكذا . فالحاجة الكبرى هي ما يقوله الله . وعندما يتكلم الله إلي القلب فمن الخير أن يتوارى كل إنسان . ومع ذلك فمن الواضح من موقع السفر في الكتاب المقدس ومن الأدلة الداخلية أن آخر الأنبياء ( ملاخي ) يوضع مع آخر المؤرخين المقدسين ، نحميا ، كما يوضع حجي وزكريا بكل صراحة مع عزرا .
الأصحاح الأول

< وحي كلمة الرب لاسرائيل عن يد ملاخي > . ليكن ملاخي شخصاًً غير معروف لدينا كثيراًً ، ولكن يكفينا علي الأقل أن نعرف كلمة الرب عن يده . هذا فيه كل الكفاية لنا وكل الفخر له . أن كلماته هي الكلمات النبوية الأخيرة . هي ختام النبوات القديمة . إذا لم يكن لدينا من التقليد ما يؤكد أن سفر ملاخي هو آخر الأسفار فإن طبيعة القضية نفسها تبين بما لا يترك أدني شك أن كل ذهن روحي يقر بأن ملاخي هو بالضرورة آخر الأنبياء . فكما أن موسي له مكانه الواضح في التاريخ المقدس ، وهو بطبيعة الحال المكان الأول في العهد القديم ، هكذا تماماًً وبنفس الوضوح يحتل ملاخي المكان الأخير في هذه السلسلة المقدسة ، وهذا يؤيده كل ما جاء علي لسان ملاخي . وعلي ذلك فليس هناك أقل سبب يدعونا للتشكك في سلامة الترتيب الذي بمقتضاه يوضع ملاخي في آخر الأنبياء في التوارة . والحق أنه ليس من المرغوب فيه أطلاقاًً أن يحاول الإنسان باستخفاف تغيير أوضاع أو حقائق خارجية قد أصبحت مقبولة ومعترفاًً بها بصفة عامة ولو أننا بطبيعة الحال لا نضعها في مرتبة الإيمان . فليس من المستحسن التشكك في كل شئ لمجرد التشكك . ولنعلم أن هناك فارقاًً كبيراًً بين عدم التشكك والإيمان . فنحن غير مطالبين أن نؤمن إلا حيث يتكلم الله . ولكن أين الحكمة من الجهة الأخرى أو التواضع في التشكك فيما لا نملك الدليل عليه ولكنه مقبول ومعترف به لدى الجميع ؟ أن أحسن وأسلم طريقة هي ترك مثل هذه الأجزاء حيث هي .
ولكن هناك فوق ذلك أعتبارات أدبية تعزز وجهة النظر هذه . فهذا السفر يحتوي علي قدر كبير من النداءات الأدبية المنوعة التي يدل طابعها علي أنها الكلمات الأخيرة ي العهد القديم . فهي لا تترك شيئاًً ينتظر أن يتم قبل مجئ المسيا نفسه إلا مجئ رسوله أو ملاكه المهيئ طريقه . ثم هي بعد ذلك - أي بعد مجئ المسيا - تتجاوز دعوتنا ( التدبير المسيحي ) تجاوزاًً كاملاًً وتذهب مباشرة إلي ما يلي المسيحية - أي إلي أرسالية إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب العظيم والمخوف . وهنا أمر جدير بالأعتبار ويجب ملاحظته وهو أن المسيحية ليست أمتداداًً أو تحسينناًً لليهودية بل هي كل شئ فريد في نوعه . فهي وأن كانت قد تلت اليهودية ، وما كان ممكناًً إلا أن تليها ، إلا أنها شئ مختلف عنها كل الأختلاف ، لا من حيث طبيعتها فحسب بل من حيث جوها ومكانها أيضاًً ، شأنها شأن الملاءة التي نزلت من السماء وأرتفعت أيضاًً إلي السماء في رؤيا بطرس الخاصة بقائد المئة الروماني .
هذا هو موضوع أو خط سير ملاخي . ينقلنا مباشرة إلي المسيا - مع الإشارة إلي مهيء طريقه - ومن المسيا إلي يوم الرب العظيم والمخوف . إذن فهي الكلمة الأخيرة ، كلمة الأنذار الموجزة الأخيرة ، المنبه للأذهان والقلوب لأن تستعد لأمر جلل وخطير .
ويفتتح السفر بكلمات مناسبة تماماًً كالتي يختتم بها . < أحببتكم قال الرب > . هذه عبارة تنم عن الأسف ولا شك ولكنها بكل يقين تنم أيضاًَ عن الحنان والحب . < أحببتكم قال الرب وقلتم بما أحببتنا > . ما هذا ؟ أراني كنت علي وشك أن أدعوه حباًً فاشلاًً . وهذا صحيح من وجه . ولكن علينا أن نحمل في بالنا من وجه آخر أنه لا يوجد شئ فاشل لدى الله . فهو له المجد يمضي في طريقه منقذاًً الأحكم والأحسن بغض النظر عما يلازم هذا من كل ما هو مذل للإنسان . إن الله لا ينقذ أغراضه بالقوة وكذلك هو لا يكيف طرقه وفقاًً لحالة شعبه ومدى أمانتهم في الشهادة . ولكننا نقول بكل يقين إنه إن كان هناك فشل مستمر في الظاهر فهناك علي الدوام تحقيق دائم مستمر لكل ما يؤول إلي مجده في النهاية ، وهذا علي الأخص حيث يبدو كل شئ في حالة التشويش والفوضي بحسب الظاهر . أي نعم ، إنه من اللازم أن يوضع المخلوق موضع الخزي والخجل وهو الآن في حالته الساقطة التي تعتبر أكذوبة كبرى ضد الله - بل هي في الواقع أكذوبة كبرى ضد نفسه ، ضد طبيعته وضد ناموس كيانه لمخلوق من الله أو كمدعو من الله كما يكون الحال
وفي الحالة التي نحن بصددها كم تبدو غير لائقة هذه اللغة من اسرائيل < بم أحببتنا > ... أكان يحق لهذا الشعب العاق أن يسأل الرب مثل هذا السؤال ؟ ومع ذلك فهو يتنازل له المجد بأن يجاوب في مطلق النعمة .. < أحببتكم قال الرب . وقلتم بم أحببتنا > . إن الرب كالمعتاد يرتفع إلي أصل الأشياء وينبوعها فيجيب < أليس عيسو أخاًً ليعقوب يقول الرب وأحببت يعقوب > ثم يضيف < وأبغضت عيسو > . أني أعتقد إنه ليس من الصواب استباط هذه الحقيقة من بدء تاريخ الأخوين يعقوب وعيسو ، ولو أن هذا ما يفعله بالأسف أحسن الناس في تسرعهم . أما الحقيقة فهي أن الله يؤجل حكم البغضة حتي يثبت بالبرهان القاطع والدليل الساطع ما يبرره من طرق عيسو وسلوكه العملي لا سيما من نحو يعقوب وبعبارة أخرى من نحو الله نفسه . وبالإختصار يكون من الصواب أن يقال أن الله أحب يعقوب من البداءة ولكنه لم ينطق بالبغضة إلي أن ظهر من عيسو بكل جلاء ما يدل علي رغبته في استبعاد الله استبعاداًً كاملاًً من حياته ورفضه رفضاًً مطلقاًً مع الأحتقار والأزدراء والأصرار علي طلب ملذته الخاصة بأي ثمن وتنفيذ مشيئته الذاتية في غير أهتمام أو مبالاة بالله . عندئذ وعندئذ فقط يقول الرب < وأبغضت عيسو > وفي الوقت نفسه يلفت النظر مباشرة إلي إنه ( أي الرب ) < جعل جباله خراباًً وميراثه لذئاب البرية > . وهكذا بغض النظر عن كل مظاهر الأستباحة التي بدت من عيسو فإنه يمكن القول أنه إذا كان الله يرذل أحداًً فإنه بكل تأكيد يمكن القول أيضاًً أنه لا يبغض أحداًً . أن مثل هذا الفكر لا يمكن أن يخطر علي ذهن مدرب بكلمة الله بعيداًً عن أستنتاجات الناس . ولست أقول هذا مدفوعاًً بأقل ميل لما هو معروف بالفلسفة الأرمنية ولا كذلك بالفلسفة الكلفنية ، لأني أعتقد أن كلاًً من الفلسفتين مهينة لمجد الله كالأخرى تماماًً ولو بطريقتين مختلفتين للغاية - الواحدة يرفع الإنسان فوق ما ينبغي والثانية بتقييد الله ورسم خطة العمل له ، وبالتالي عدم قول الصواب فيه .
أن الأستنتاج المجرد شبيه بأسلوب أصحاب أيوب الذين لم يكونوا كلفينيين من طراز ردئ ، قبل ظهور كلفن ، ولكنهم بكل يقين لم يقولوا الصواب في الرب مثل أيوب والسبب أن أيوب لم ينهمك في نظريات حول الله وسياسته كما أنهمكوا هم بل تمسك بما كان يعرف . ليس معني ذلك أن أيوب لم تكن له أخطاؤه فقد أظهر كثيراًً من المعاندة والإصرار علي مناقشة طرق الله كما نعلم ، ولكنه كان علي صواب في رفض محاولتهم تثبيت وجهة نظرهم بطريق الأستنتاج البشري الذي إذ يجهل نعمة الله كما يجهل سياسته يؤدي إلي نتيجة واحدة وهي أن القديس المجرب المتألم لم يكن في آخر الأمر - إلا إنساناًً مرائياًً 0 ولكن الحقيقة أن أيوب كان أبعد عن الرياء من أى واحد من أصحابه الثلاثة ، وقد ظل بحق متمسكاًً بالرب بعض النظر عن كل ما يقولون أو يظنون ، أو كما عبر هو عن ذلك ، ينبت الزوان بدل الشعير قبل أن يتنازل عن كماله 0 أنه لن ينكر نعمة الله ولن ينكر أيمانه بالله 0 أن الأشياء يجب أن تفقد طبيعتها ومخلوقات الله تغير كيانها قبل أن يستسلم أيوب للأنسان فيما يمس علاقته بالله 0 لاشك أن أيوب أهتم كثيراًًبتبريرنفسه وهنا كان خاطئا ولكنه كان صائباًً فيما يتعلق بالله 0 كان متأكداًً أن الله لا يمكن أن ينكر نفسه ولا يمكن أن ينكر أيوب ، ولذلك تمسك بالاثنين 0
نعم كان أيوب متأكداًًأن أحداًًمن مستجوبيه لم يكن يحب الله أكثر منه 0 وذلك كان أيضاًً حقاًً 0 والواقع أن سفر أيوب هو أستعرض جميل للانسان مع الله ، والله مع الأنسان ، وليس في العهد القديم كله ما وأجمل ولا أروع من سفر أيوب من هذه الناحية 0 وهذه أيضاًُ قيمة المعرفة الحقيقة بالله قد لاتكون معرفة كاملة ، وقد تكون معرفة يعوزها التعديل والتصحيح ، ولكنها علي أية حال معرفة حقيقة بالله 0 معرفة يقينية ثابتة لا تتزعزع ليس فقط أمام همجات العدو بل هى أيضاًً كذلك في مواجهة الأستناجات البشرية حتى وأن صدرت عن رجال أتقياء لأن ذلك لا يغير من لأن ذلك لا يغيير من حقيقتها شيئاًً فليس هناك في الواقع فرق كبير بين أستنتجات الرجال الأتقياء وغيرهم إذا حكموا بالظواهر وتحدثوا خارجاًً عن نطاق حق الله المعلن . فليس هناك من يحق له أن يجاوب عن الله أو أن يشعر بالنيابة عن الله . وكذلك لا يستطيع أحد بأساليب البحث البشرية أن يعرف الله وبالأولي لا يستطيع أحد بواسطة الأستنباط والأستنتاج العقلي أن يحدد طرق الله ويعرفها مقدماًُ . ومع ذلك فهناك بركة الشوق إلي الأستزادة من هذه المعرفة . ذلك لأن معرفة الله متاحة لأبسط المؤمنين بينما هي فرح وقوة أعظم القديسين . فلا فرق في هذا من حيث المبدأ ، فإن أعظم البالغين مدين بالفضل لكلمة الله كأبسط البسطاء وما يرفع أضعف الضعفاء هو في الحقيقة عين ما يمنح الحق والصلابة لأقوى الأقوياء .
هذا درس عملي خطير وأعتقد أن سفر ملاخي سفر شيق للغاية من هذه الناحية . ففي أبتداء تاريخ يعقوب وعيسو نجد قصد الله معلناًً قبل أن يولد الطفلان وهذا حق . فإذا عقلنا الأختيار علي أستحقاقات الطرفين فأننا بذلك نفسد معني الأختيار ونخرجه عن طبيعته إذ إنه في هذه الحالة لا يكون أختياراًً قط . فالأختيار هو بالضرورة شئ أختياري صادر عن الله بغض النظر أطلاقاًً عمن هم موضوعه لأن معناه ممارسة الله لحقه المطلق في الأختيار وحرية التصرف وهو حقه الذي لا ينازعه فيه أحد . أما إذا كان هناك أصغر سبب في الشخص المختار علي أساسه أختاره الله ، فلا يكون الأمر في هذه الحالة أختيار الله بل هو مجرد تمييز أدبي من جانب الله ، تمييز هو أبعد ما يكون عن الأختيار والسيادة المطلقة وأنما هو مجرد تقدير لمميزات الشخص واستحقاقه . ومن هذا يتضح أننا نستطيع - مع أقوى الكلفنيين وأشدهم تحمساًً بحق الله المطلق في الأختيار . إما أننا نستنتج من هذا - كما يستنتج الكلفنيون - رفض الأشرار بأعتباره حقاًً مطلقاًً مساوياًً لحق الأختيار ، فهذا في أعتقادي خطأ كبير . ولما كان موضوع الأختيار موضوعاًًهاماًً للغاية من الناحيتين التعليمية والعلمية فإني لا أتردد في هذه المناسبة في أن أقول كلمة عنه . إن الفكر بإنه إذا كان الله يختار شخصاًً فهذا معناه أنه يرفض الشخص الاخر الذي لم يختره أنما هو فكر خاطئ مردود لا سند له من الكتاب بل هو ضد الكتاب ومرجع الخطأ كله هو تدخل الإنسان ، أو بعبارة أخرى تأثير عقل الأنسان وثقته في ذاته وتفكيره الضيق الصغير 0 ونحن كمؤمنين ليس هناك ما يدعونا أبداًً لأن نكون صغاراًً في تفكيرنا بل من حقنا أن نمتلئ إلي كل ملْء الله وأن تفكر في كل ما هو عظيم لله 0 صحيح نحن مدعوون لأن نكون بسطاء 0 وهذا حسن وجميل 0 ولكن أن نكون بسطاء هو أيضاًً شئ مختلف جداًً عن أن يكون صغاراًً في أذهاننا ضيقى الأفق في تفكيرنا ، وليس فيه ما يدعونا أطلاقاًً لأن ندور في فلك أنفسنا 0 لأنه لماذا يعلن الله فكره ؟ أليس لكى نعرفه ونتمثل به ؟
ومن ثم فاني أعتقد أنه من أعمق الحقائق وأغناها بالمتعة وأجدرها بالتدبر والتفكير إن الله تبارك اسمه مع أنه أختار قبل أن يولد الطفلان ومع أنه قرر ماذا سيكون نصيب كل منهما بالنسبة للآخر ، فأنه له المجد لم يجعل قط إنساناًً خاطئاًً لاشك أن أولاد آدم جميعاًً محبول بهم بالخطية ومصورون بالأثم 0 والبشر أجمعون مولودون في هذه الحالة ، وكيانهم كله هالك فيها 0 فلا مجال أذن لجعل أي أنسان خاطئاًً . ومن ثم فأني أعتقد أنه من أعمق الحقائق وأغناها بالمتعة وأجدرها بالتدبير والتفكير إن الله تبارك اسمه مع أنه أختار قبل أن يولد الطفلان ومع أنه قرر ماذا سيكون نصيب كل منهما بالنسبة للآخر ، فإنه له المجد لم يجعل قط إنساناًً خاطئاًً . لاشك أن أولاد آدم جميعاًً محبول بهم بالخطية ومصورون بالأثم . والبشر أجمعون مولودون في هذه الحالة ، وكيانهم كله هالك فيه . فلا مجال إذن لجعل أي إنسان خاطئاًً إذ هو كذلك بطبيعته حيث أن الإنسان منذ السقوط قد انحرف عن الله وصار الجنس البشري كله شريراًً بلا أستثناء
فلإنسان ينتمي إلى اصل فاسد كلة ،والشر هو تركة الانسانية العامة المحزنة واختيار اللة لا علاقه له مطلقاًً بما يجده الله في البشر وبغض النظر عن كل ما في الوجود من شر . لا شك إنه أختار الملائكة الذين لم يسقطوا ، ولكن حتى هذا لا شأن له في تقرير مصير الملائكه اٌلآخرين الذين سقطوا . إنه أختيار الله في الحالتين - حالة البشر وحالة الملائكة . ولكن حاة الإنسان الساقطه تعطي لأختيار الله جمالاًً رائعاًً وأهمية بالغة حيث أن الخطاة هم وحدهم موضوع الأختيار إذ لم يكن أمامه سوى الخطاه يختار من صفوفهم . وهنا تتجلى النعمه في سمو غناها وجلال مجدها . فهو يختار بغض النظر عن أي شئ يدعو للأستحقاق وفي مواجهة كل ما يخالف طبيعته ولا ينسجم مع صفاته . ولكن ليس الأمر هكذا عندما يدين و يرفض
فعندما يقول < وأبغضت عيسو > فأنه ينتظر حتى اللحظه الأخيره ، حتى يظهر عيسو نفسه على حقيقتها . إن أول سفر في الكتاب المقدس يرينا أختيار الله ليعقوب ولكن أخر سفر هو الذي يخبرنا عن بغضه لعيسو . لست أقول أننا لا نجد إدانته الأدبيه لروح عيسو قبل ذلك بزمن طويل لكنه صبور و طويل الأناه في إصدار الأدانه و تنفيذ الحكم ،فطول الأناه صفه من صفات الله وجزء لا يتجزء من طبيعته الأدبيه ،وهو بطئ في تنفيذ حكمه على الشر .ولكنه كلي القدره و صالحاًً فأنه بهذا السبب ذاته كامل في صبره . وعندما يصدر الحكم من شفتيه فعندئذ يكون الأمر جد خطير ..
ومع ذلك فان سوء مسلك عيسو تجاه يعقوب لم يكن عنصر الشر الوحيد أو أسوأ جانب من الشر الذى من أجله استحق الدينونة بل أن عيسو كان مستبيحاًً تجاه الله ، محتقراًً لكل شئ يتعلق بالله ، ما عدا الشئ الوحيد الذى استحضر أمام عينيه بصورة محسوسة الكرامة الأعظم التي أرتقى إليها أخوة ، فعندئذ ثارت كبرياؤه حتى أننا نراه وهو الذى باع ذلك الشئ بأكله عدس في ساعة عوزه يشعر بخسارته الفادحة لذلك الشرف الرفيع الذى فقده ويقاوم هذه الخسارة بكل شدة حتى وهو يبدو جلياًً أنه من الأشخاص الذين يتذكر كل همهم وتتجه كل جهودهم إلي ما يستطيعون تحقيقه في دائرة هذه الحياة الحاضرة 0 نعم ، ولم تكن لعيسو أية ثقة بالله 0 فبعيداًً عن هذه الحياة الدينا لا فكر له ولا أمل ولا رجاء 0 وأذا أستطاع أن يعيش في يسر وكرامة ولو مع الكفاح والعمل فهذا كل مناه وغاية ما تصبو إليه نفسه 0 ولماذا يرنو إلي أكثر من الأستماع بالحياة الحاضرة أو ، أذا لزم الأمر ، ماذا يمنع من تحقيق أهدافه بالقوة ؟ ولكن هذا كله بطبيعة الحال أنكار عملي لله وصفة خاصة أنكار عملي لصلاحه وسيادته في الأختيار 0 وهو أيضاًً أنكار لخطية الأنسان والمعنى الحقيقى للموت والقيامة والمجد 0 لاشك أنه كان هناك قدر كبير من الأعوجاج وعدم الآستقامة في يعقوب ، كما هو الشأن في حالة معظمنا مع الأسف الشديد ، حيث يوجد قدر كبير ولاشك مما يبرهن علي ما فينا كبشر من هشاشة وقابلية للكسر 0 وبالمقارنة نرى في يعقوب الفارق بينه وبين شخص أستطاع أن يسير مع الله فدعى بجمال رائع فريد خليل الله 0 نعم أن يعقوب يقف موقف التعارض المؤلم مع أبراهيم من نواح كثيرة 0 ومع أن ابراهيم كما نعلم فشل فشلاخطيراًً أكثر من مرة ولكن الفشل لم يكن الطابع الخاص بحياته كما في حياة يعقوب ، فقد كان الفشل في حياة يعقوب أشبه بالمربعات السوداء في لوحة الشطرنج ، في حين أمتازت حياة ابراهيم بالشركة المستمرة والتعامل الدائم مع الله مع الترفع العجيب عن المنافع الذاتية والمصالح الشخصية مما جعلها حياة جذابة قوية مؤثرة رافعة 0 أما يعقوب فقد كان له ضعف الشخص الذى لم يعرف كيف يسير هكذا مع الله بالايمان 0 فالحيلة ، أو بعبارة أخرى الذهن الذى يحاول دائماًً أن يتفتق عن أساليب لولبيه يحقق بها أهدافه ، هى شيمة مثل هذا الشخص وديدنه في الحياة 0 أما عيسو فالذات هي محور أهتمامه وغاية تفكيره وهو إن لم يستبعد االله كلية من دائرة حياته إلا أن أدارته الشخصية هى دون سواها صاحبة السيادة والسلطة العليا في كل شئونه 0 أما يعقوب فكان حقاًً رجلا مختلفاًً عن هذا ، فحتى وهو يسير مستخدماًً حيلة لمنفعه نفسه فأنه يتطلع إلي الله لنوال بركة يشعر أنه في حاجة قصوى إليها 0 لا شك أن حياته لم تكن أسعد صورة لحياة الأيمان ، حتى أننا نجد جانباًً كبيراًً من حياته يأخذ صورة الأنذار لنفوسنا كما هو الشأن في حياة كثيرين غيرة من رجال الله الذين سبقونا ، إلا أن أيمانه كان أيماناًً حقيقياًً رغم كل ذلك 0 فهو أذ كان يفتقر إلي الضمير الصالح في بعض الأحيان نراه يسقط في نوع من الغش ضد أخيه عيسو في أول الأمر ثم نراه أخيرأ ,أذا هو لم يتحسن كثيراًً فيلجأ إلي نفس الخداع عند مقابلته لأخيه 0 وعلينا أن نذكر أنه كان رجلا جباناًً بطبعه ، والواقع أنه ليس سوى الأتكال المطلق علي الله يمكن أن يجعل منا رجالا كما يجب أن نكون 0 فالايمان وحده هو الذي يجعل من الجبناء الرعاديد أبطالا صناديد < وأبغضت عيسو وجعلت جباله خراباًً وميراثه لذئاب البرية >0 كان الله ضده 0 <‏ لان أدم * قال قد هدمنا فنعود ونبني الخرب > 00 ومن هذا نرى العناد وقوةالأرادة الذاتية عاملة حتي النهاية 0 فكأنه يتحدى الله وهو مصمم علي الكفاح بنفسه ولو ضد الله 0 < هكذا قال رب الجنود هم يبنون وأنا أهدم ويدعونهم تخوم الشر والشعب الذى غضب عليه الرب إلي الابد 0 فترى أعينكم وتقولون ليتعظم الرب من عند تخم اسرائيل >
وعندئذ يتقدم النبى إلي دائرة أضيق فيقول < الأبن يكرم أباه والعبد يكرم سيده فأن كنت أنا أباًً فأين كرامتى وأن كنت سيداًً فأين هيبتي قال لكم رب الجنود أيها الكهنة المحتقرون أسمى 0 وتقولون بما أحتقرنا أسمك > فكلما أرتفعت وسمت العلاقة كلما عظم وكبر الخطر حيينما لا يكون الله أمام النفس 0 فليس الأمر قاصراًً على أن الخطية في المقربين إلي الرب أكثر خطورة ولكن هناك تعرض أكبر في هذه الحالة لهجمات الخطية فالكاهن مطلوب منه أن يتصرف ليس كأنسان خارج المقادس ، بل بما يليق بأنسان داخل المقادس ، ولذلك فأت عملية التكريس في حالة الكاهن كانت أكثر كمالا من تكريس الأسرائيلى العادى 0 والواقع أن التعود على الوجود في محضر الله وما يترتب على ذلك من عادة والفة ما لم تكن مصحوبة بخشوع ومخافة فأن هذه الألفة قد تفود النفس ولو عن غير قصد إلي ما يشبه عدم الأهتمام أو الأهتمام أو الأحتقار < أن كنت أنا سيداًُ فاين هيبتي قال لكم رب الجنود أيها الكهنة المحتقرون اسمي وتقولون بم أحتقرنا اسمك > نعم فأن قساوة الضمير توجد دائماًً حيث التعود علي عدم الاهتمام بما يخلص الله بينما تكون المظاهر محتفظاًً بها إلي أقصى الحدود ، وهكذا يصبح الناس عديمي الاحساس بكل شئ 0 < تقربون خبزاًً نجساًً علي مذبحي وتقولون بم نجسناك . بقولكم أن مائدة الرب محتقرة >
ذلك كان شيئاًً مهيناًً لله مهما ألتمسوا له من الأعذار . وهو شئ جد خطير علمياًً للمسيحي الآن فهناك من يحتملون في العبادة ما لا يرضون أحتماله قط في أية خدمة أخرى . فتراهم يدققون غاية الدقة فيما يتعلق بخدمة الوعظ في حين يستخفون بخدمة الصلاة ولا يقيمون لها أي وزن ، وهم عادة يحتملون ويمارسون جوانب الخدمة العامة من أجل خاطر العظة المنبرية . والحق أنه لأمر خطير للغاية إذا تذكرنا ماذا يجب أن يكون عليه السجود . وأني لا أتكلم هنا عن حالة خيالية بل عن حالة محسوسة واقعية . وليس هناك في الواقع ما يدل علي حقيقة حالة الشعب مثل صلواتهم وترنيماتهم أو بصفة عامة عبادتهم ولذلك فإن الصورة العادية للصلوات والترانيم التقليدية الحاضرة ، وهي بلا شك صورة دون مستوى الساجدين الحقيقيين بالروح والحق - بل دون هذا المستوى بمراحل - هي في الوقع علامة محزنة ودليل مؤلم علي مدى ما وصلت إليه الحالة العامة من تدهور وانخفاض ، ذلك لان السجود يجب أن يكون أسمى معبر عن التكريس الروحى لله ، فالسجود عندما يكون حقيقياًً يتصاعد ويرفع بقوة الروح القدس نحو الله نفسه أما العظة فشئ مختلف عن ذلك كل الاختلاف 0 أن لها مكانها وقيمتها بطبيعة الحال ولكنها تتجه نحو الناس ، فسواء كانت موجهة لغير المتجددين لتبين لهم طريق الخلاص أو للمتجددين لتثبيتهم في الحق فان الانسان هو غرضها ، متجداًً أو غير متجدد أو غير متجدد ، أو كلاهما ، ولكنه الانسان في الحالتين 0
هذا هو الفارق بين الساجد والواعظ - الساجد لله والواعظ للناس 0 ولاشك أن الجانب الذى غرضه الله يجب أن يكون مقدساًً وبعيداًً عن كل ما ينجسه - بعيداًً عن كل ما يعرف الناس أنه دون مستوى نعمة الله وحقه ، أو غير مناسب ولو كان صحيحاًً ، أو ليس بحسب سمو أيمان الذين يقدمونه 0 ولنعلم أنه ليس بحسب سمو أيمان الذين يقدمونه0 ولنعلم أنه ليس هناك من شئ له تأثير خافض لمستوى المؤمن مثل أعتيادالرضى في السجود بما لا تشعر به أعماق القلوب أنه التسبيح والحمد اللائق بالله 0 ومع ذلك فأني أعتقد أنه لا يوجد شئ فيه يتهاون حتى أولاد الله مع العديد من التقصيرات أكثر من تهاونهم في أمر السجود والعبادة ، فهناك الآلافمن المسحيين ممن عرفون أن يرتضونه ويوافقون عليه كعبادة ليس بحسب فكر الله وهم يتساهلون معه لأسباب خاصة بهم وليست بكل يقين لمجد الله وكرامته 0 وهذه أحياناًً هي الحال حيث لا يوجد مظهر معين أو شكل خارجى ثابت فقد عرفنا ورأينا من البعض ممن يتمتعون بقدر كبير من الحرية كيف ينشأ بينهم نظام معين بحكم عادات وطرق تقليدية لا تتفق مع أرادة الله 0 فلا تخدعنك المظاهر ، أن الصلوات غير المكتومة قد تكون معثرة كالصلوات المكتوبة تماماًً 0 فكون الصلاة أرتجالية لا يجعلها صلاة روحية 0 وأذا كانت رديئة فما يزيد في رداءتها أنها غير مكتوبة لأن الذى يصلى أرتجالا هو حر بحكم هذا الارتجال فلا عذر له 0 طبعاًً أنا لا أفترض وجود شئ مغاير للتعليم الصحيح أو السلوك الحسن ولكننى أقصد فقط ما لا يليق بشخص يقف موقف المؤمن الواعى بالفداء وله الروح القدس ساكناًًفيه وجاعلا منه هيكلا لله 0 ولاشك أن هذا هو مركز ومقام كل مسيحي بالحق وأن السجود علي المركز والمقام الذي أوجده فيه المسيح - المسيح كالمقام من بين الأموات والموجود الآن في السماء
خذ مثلاًً العادة الشائعة بين الكثيرين من المسيحيين - عادة مخاطبة الله في الصلاة بالقول < اللهم > أو < يهوه الرب > أو أي لقب من هذه الألقاب التي تشعر بالبعد ولا تتفق مع مقام المسيحي كالابن مع أبيه أو كعضو في المسيح . فقد يصح أن يقع الإنسان في مثل هذا الخطأ عفواًً ، اما أن تكون هي العادة فهو دليل ولا شك علي قصوره في الأدراك الروحي . ولأن كان من الخطأ أن نقف موقف المنتقدين لما يقوله الآخرين في الصلاة بدلاًً من الأنحصار الكلي في تقديم الحمد والتسبيح لله بكل بساطة ، ولكن قد يكون ذلك واجباًً ضرورياًً حيثما يكون هنالك ما من شأنه تشويه ما يجب أن يرفع لله مقبولاً مرضياًً خالصاًً من كل عيب
ومن هذه الناحية يتجلي التشابه العظيم بين ما هو حاصل الآن في المسيحية والحالة الموصوفة في ملاخي ، وإني لمقنع جد الأقتناع أن المسيحية قد خطت خطوات واسعة في السنوات الأخيرة في طريق الأنحراف عن الله ، وأن الروح اليهودية ( والأممية أيضاًً ) من محبة المظاهر الخارجية وفخامة المباني والموسيقى وغيرها من الشكليات بصفة عامة قد تطورت تطويراًً عظيماًً . وبالأختصار هناك نوع من التسابق أو التنافس في المسيحية عامة فب هذه الناحية ، حتى أن البعض ممن كانوا ُيعرفون من سنين قليلة مضت بأستنكارهم لهذه المظاهر الخارجية وكانت شهرتهم البساطة وكثيراًً ما وجهوا اللوم للآخرين لتمسكهم بالمظاهر والشكليات ، أصبحوا الآن يحاولون لتفوق عليهم في هذا المضمار . ولا شك أن هذا كله أمر محزن لأولاد الله . أنا لا أقول كلمة واحدة عن أهل العالم فهؤلاء لهم بطبيعة الحال مطلق الحرية في أن يكون لهم هياكل ومعابد كما يريدون . فالله سيتولي شأنهم فيما بعد .
أما مسئوليتنا نحن كأولاد الله فهي بكل يقين خاصة بكل ما يتعلق بمجد المسيح ومحبته ، وأنه لأمر في غاية الخطورة ولا شك أن تصل حالة المسيحيين في الوقت الحاضر إلي ما يشبه الحالة التي يصفها ملاخي بنفس الأقوال والعبارات التي نحن بصددها .
ومرجع الجانب الأكبر من التهاون والأهمال الذي تورط فيه المسيحيون في الوقت الحاضر هو الظن أن الله لم يترك شيئاًً محدداًً في كلمته لعلاج الكثير مما يعتبرونه أموراًً خارجية أو غير جوهرية . ومع أستعدادي لحمل هذا كله في بالي ، فإني مع ذلك لا زلت أتساءل كيف أرتضوا لانفسهم مثل هذه الأوضاع التى لا تتفق مع مقامهم في المسيح وكيف سمحوا أن ينزلوا - في أمر السجود - إلي هذه المستويات التى هي دون شركتهم مع الله ودون معرفتهم بالانجيل ، مع أن السجود هو عين الموضوع الذى يجب أن ترقى فيه معرفتنا الروحية إلى أقصى ذوتها 0 الواقع وحقيقة الأمر أن الفكرة الكتابية عن السجود لم تحتل مكانها في نفوسهم في يوم من الأيام 0 ومن هنا كانت العادة التى تكونت لديهم أذا تسمعهم يتكلمون عن الكرزاة بالانجيل باعتبارها السجود 0 أما العبادة والتسبيح الموحد لله بالمقابلة مع التبشير أو التعليم فأمر لا يخطر لهم على بال 0 وهكذا يستمر الناس في روتين ممارساتهم العادية معتقدين في ضمائرهم أنهم يرضون الله بها

وهناك الكثيرون لديهم فكرة صحيحة عن السجود ولكنهم بالأسف يجهلون قيمة الكرازة بالأنجيل 0 فيهم يدركون أن السجود هو سكب القلب أمام الله ، ولذلك فانهم يتحمسون له إلى درجة أهمالهم للكرازة بالأنجيل 0 ولكن الحق الالهى هو عدم أهمال هذا أو ذلك بل الأهتمام بكل منهما في مكانه 0 والسبيل الصحيح هنا ، كما في كل مكان ، هو ترك المجال لكلمة الله ومشيئته ، سواء كان الأمر متعلقاًً بالكرازة أو السجود ، دون الخلط بينهما 0 فمن المستحيل على نفس لم تتحرر بمعرفة الحق الالهى أن تسجد بقوة الروح 0 ولكن هناك بعض التناقضات العجيبة حتى لدى المسيحيين الحقيقيين 0 فكثيراًً ما يحجم الاخوة بسبب الصعوبات التى تبدو لهم هائلة ولا يمكن التغلب عليها ، وهكذا يتأخر الكثيرون من الاتقياء بفكرة أنهم يصنعون خيراًً . والحقيقة أنه لا يوجد شئ أشر من السماح للرغبة في صنع الخير أن تقف عائقاًً في سبيل قيام الإنسان بما هو لائق للرب ، والأمانة لما يعرف أنه الحق . ولكن هذا الأحجام والتردد يترك الكثرين من المؤمنين الأتقياء في حالة الأستعباد مع أنهم يعرفون أنهم أحرار . ومن الأختبارات المسيحية الثابتة أن حالة النفس في حضرة الله ، بغض النظر عن المركز والمقام الذي لها في المسيح ، لها دخل كبير في روح السجود .
والواقع أن أختبار حرية السجود لا يعدله أي أختبار مسيحي آخر . فهناك من المؤمنين قديماًً وحديثاًً من تشبعت أرواحهم بحب المسيح وقد تركوا من الكتابات والمؤلفات ما يدل علي مدى تغلغل الحق في نفوسهم ، ولكنك تحس مع ذلك وأنت تقرأ مؤلفاتهم أنه كان ينقصهم أختبار السجود المسيحي وما يقترن به من أفراح الروح القدس . فالتمتع بهذا الأختبار يتطلب شيئاًً آخر بجانب الإيمان الحي العامل بالمحبة وهو الإيمان الذي تلهبه مثل هذه المعرفة بالمسيح كما يعطي الروح القدس . نعم يتطلب الأمر شيئاًً آخر وهو الشعور بالحرية الكاملة بواسطة المسيح ربنا - الحرية من الجسد والعالم والناموس ومن كل شئ يمكن أن يقوم بين النفس والله . أني لا أتحدث الآن عن القوة التي لنا في الروح القدس سواء للسجود أو السلوك ، ولكن عن الحالة التي تسبق هذا كله . وهذا حق غاية في الأهمية والخطورة ولا يمكن أن يكون موضع نزاع من الذين يحبون قديسي الله لأجل خاطر المسيح ويطلبون مجده فيهم وبواستطهم . أنه الشئ الذي يجب أن نسعي إليه جميعاًً مع أخواتنا في الرب أينما كانوا . نعم يجب أن نتأكد من تحقيقه ولا نفترض وجوده مجرد أفتراض فكثيرون من المسيحيين يعرفون الكلمة النبوية جيداًً كما يعرفون الحق بصفة عامة ولكنهم غير متأكدين من جهة الحق فيما يتعلق بنفوسهم ، ولذلك وجب علينا عدم التسرع في التسليم بأن جميع المؤمنين الحقيقين هم في النور الكامل من هذه الناحية . وينطبق نفس المبدأ بطبيعة الحال فيما يتعلق بالشئون الكنسية والتأديبية ، وذلم لأن الحق الخاص بالكنيسة ، ولو أنه حق متميز وقائم بذاته ، إلا أنه أكثر أرتباطاًً من النبوة بكل ما يتعلق بأنارة النفس وتحررها . فمن واجبنا أن نضع نعمة إنجيل الله الكاملة المحررة أمام كل نفس قد تجددت ورجعت إلي الله . ليس ذلك فقط بل حتى إذا كان الذين نحتك بهم ممن أتبعوا الرب طويلاًً ومن زمن بعيد فمن واجبنا أن نتأكد إذا كانوا في النور الكامل من جهة نفوسهم أمام الله وقد تحرروا بذلك من كل آثار العبودية لأنه بدون ذلك لا بد وأن تقوم العراقيل والصعاب مما يؤدي في يوم التجربة إلي زعزعة النفوس الغير ثابتة فتحدث متاعب وتصاب النفوس بمضار لا حد لها .
وهنادعنا نرى ماذا يرى الرب في اهمال اسمه والأستهانة بعبادته . < وإن قربتم الأعمى ذبيحة أفليس ذلك شراًً > ... فسرعان ما أتخذ التهاون شكلاًً دنساًً في اسرائيل . < وأن قربتم الأعرج والسقيم أفليس ذلك شراًً . قربه لواليك أفيرضي عليك أو يرفع وجهك قال رب الجنود . والآن ترضوا وجه الله فيتراءف علينا هذه كانت من يدكم . هل يرفع وجهكم قال رب الجنود ... من منكم يغلق الباب ( مجاناًً ) > ... وأليست محبة المال هي آفة المسيحية المعروفة والمعترف بها ؟
ثم نأتي إلي أصل الشر الثاني - الأنانية الشديدة التي يكشفها الرب بفم النبي . . < بل لا توقدون ملي مذبحي مجاناًً . ليست لي مسرة بكم قال رب الجنود ولا أقبل تقدمة من يدكم > ... ولكن هذا الشئ ذاته ، ألا وهو إدانة شرهم أدبياًً ، يأتي بنا كما هو الشأن في النبوة دائماًً - إلي ما سيفعله الله في غني قوته المنعمة .. < لأنه من مشرق الشمس إلي مغربها اسمي عظيم بين الأمم > .. إن اسرائيل كان يدنس اسمه ويحتقر عبادته ولذلك فإن الرب يهتم بالأمر بنفسه ويعلن أنه سيجعل اسمه عظيماًً بين الأمم الذين كان اليهود يحتقرونهم ، وذلك في كل مكان ، من الأماكن القريبة إلي أقصي الجزائر التي تترقب شريعته . هذا بطبيعة الحال وعد لم يتم بعد ، ولو أن الكثيرين قد يطبقونه ( وهذا جائز من حيث المبدأ ) علي ما هو جارِِ الآن في ظل الأنجيل ولكن من الواضح عند التأمل الدقيق أن الكلام يشير إلي اليوم الألفي . . . < وفي كل مكان يقرب لاسمي بخور وتقدمة طاهرة > ولا شك أن هذه نبوة هامة ومليئة بالتعليم إذ أنها تؤكد أنه وأن كان الهيكل في أورشليم سيكون المركز العام لعبادة كل الأمم فإن ذلك لا يستبعد وجود وسائل وأماكن عبادة أخرى بين الأمم .
يستتبع ذلك بطبيعة الحال أنه ستكون هناك شهادة عالمية للإله الحقيقي لجميع الشعوب ، ونستطيع أن نرى ما في هذا من حكمة صائبة كما نرى ما فيه من ملاءمة للتدبير الجديد . فنحن وإن كنا لا نشك أن الله سيدبر وسائل أنتقال للذهاب إلي أورشليم أفضل مما أخترعته للآن مهارة الإنسان أو أبتكرته عبقريته فأنه مع ذلك سيكون هناك شعور بالفراغ والأفتقار إذا لم توجد عبادة الله إلا في ذلك المركزالرئيسي الواحد . إن النعمة الآن في عهد الأنجيل قد وصلت إلي الأمم ، وفي ظل المسيحية قد بطل التعصب اليهودي لأن النعمة تضع المؤمن في علاقة مع السماء من الآن . وفي الملكوت العتيد سيضع الرب الأرض والسموات تحت صولجانه الظاهر ويتبارك الشعب القديم والأمم علي الأرض - كل منهم في مكانه الخاص - لأن الرب سيملك في ذلك الوقت علي كل الأرض . في ذلك اليوم يكون هناك رب واحد . فلن يكون هناك شعب يحل محل شعب آخر أو أي شئ من هذا القبيل بل الرب يكون متنازلاًً في صلاحه لجميع الشعوب والأمم علي السواء بينما يثبت جبل بيته في رأس الجبال ويرتفع فوق جميع التلال وإليه تتوافد جميع الشعوب . عن ذلك اليوم ، وليس عن اليوم الحاضر ، يتكلم ملاخي .
< في كل مكان يقؤب لاسمي بخور وتقدمة طاهرة > . . بالمقابلة مع التقدمة المنجسة التي كان يقدمها كهنة اسرائيل في ذلك الوقت . وليس هناك ما يدعونا للأستنتاج أن الأقوال منقولة من معناها الأصلي إلي المعنى الروحي كما نفهمه نحن الآن ( عب 13 ، 1 بط 2 ) أن الأصحاحات الأخيرة من حزقيال التي تشير بكل وضوح إلي المستقبل وليس لها أي دخل بوقتنا أو مقامنا الحاضر هي من الوضوح والدقة من هذه الناحية بحيث لا يمكن روحنتها بهذه السهولة وهي برهاننا القاطع إن كنا كنا حقاًً نفضل سلكان المكتوب عن كل أفكار الناس وأمانيهم فهناك أقوى وأقطع برهان علب أن التقدمات ستكون تقدمات مادية ولو أنها بلا شك ستكون مستخدمة بمعرفة وفهم وكرموز تذكارية للذبيحة الكبرى حينما لا تكون بركة الأمم عاراًً لاسرائيل كما هي الآن بل كحياة من الأموات لكل العالم . أنه يتحتم علينا أن نترك المجال لهذين الشيئين اللذين يعلنهما الروح القدس بكل وضوح ويضعهما الواحد مقابل الآخر في رومية 11 . . فالمسألة إذن ليست مجرد تفسير لأقوال العهد القديم بل مسألة إيمان بسلطان التفسير الإلهي المعطى لنا علي يد رسول الأمم العظيم .
لاشك أن تفسير الكنائس التقليدية للفصل الذي نحن بصدده تفسير ساذج إلي أقصى حد سيما وأنهم يزعمون أن العشاء الرباني هو ذبيحة المسيح الدموية بعينها . ولكن الشئ الؤلم حقاًً هو أن المعلمين البروتستانت أيضاًً يطبقون الفصل علي الكنيسة في الوقت الحاضر ، بدلاًً من أعترافهم للمسيحي بأمتياز السجود بالروح والحق في الوقت الحاضر وأستئناف البخور والتقدمات بمعرفة اليهود والأمم في التدبير الآتي . أما الواضح المؤكد فأنه بجانب المركز العظيم الذي سيكون للعبادة الأرضية لجميع الشعوب فإن هذا الفصل في ملاخي يتنبأ عن تقدمات حرفية ( فضلاًً عما تنبأ عنه حزقيال ) يقدمها جميع الأمم في كل مكان . قارن أيضاًً صفنيا 2 : 11 لتأييد الحقيقية الأخيرة وأشعياء 56 : 6 - 8 لتأييد الحقيقة الأولي ولكن الحقيقتين مختصتان مائة في المائة بالعالم العتيد أو الدهر الآتي . وعلي قدر ما نزيد التأمل في الأمر علي قدر ما تقل دهشتنا ويزداد شعورنا بأهمته لدي جميع العقول المخلصة التي ترتعد أمام كلمة الله . فالأعتراف العام باسم الرب وليس مجرد الشهادة الكلامية له سيكون الطابع المميز للدهر الألفي . قد تكون هناك درجات في النتائج . فكما هو واضح ستكون أسمى درجات الظهور والأعلان فيما يختص بالأرض في أورشليم وسيكون شعب الله القديم الحلقة الداخلية للأرض ولكن ليس لأنتفاء العبادة الإلهية المقبولة في كل مكان بين الأمم < لأن اسمي عظيم بين الأمم قال رب الجنود > .
وبالقلب الجديد الذى سيعطيه الرب لكل واحد من أفراد الشعب القديم سيفرح هذا الشعب بفيضان مراحم الله نحو الأمم ويدعو كل الأراضى للهتاف بفرح للرب - يدعون أعداءهم ليدخلوا أبوابه بحمد ودياره بهتاف ، بل أنهم قبل أكتمال البركة نهائياًً سيصلون ويتضرعون طالبين أن تشرق نعمة الله عليهم ( على الأمم ) حتى يعرف الناس على الأرض طريقه ، وبين جميع الأمم خلاصه 0 وما أعمق التغيير الذى سيحدث عندما يتلاشى التعصب القديم ويصير الخضوع هكذا لفعل النعمة فيجذ اليهود مسرتهم في جميع الأمم وهم صاعدون إلى أورشليم ! نحن لم ننسى كيف استمعوا لبولس صابرين إلي أن قال أن الرب سيرسله من أورشليم إلى الأمم فثارت ثائرتهم أذ كان ذلك أكثر من أن تحتمله كبرياؤهم وغيرتهم فصاحوا قائلين أن مثل هذا الأنسانلا يحق له أن يعيش ، ولكن في ذلك اليوم سيصبح كل واحد منهم ( هم أيضاًً ) ليس شاول بل بولس 0 وهناك مزامير كثيرة تفيض بهذه الروح الجديدة التى ستحي وتحرك الجيل القادم ، الامر الذى يستحيل حدوثه لآن بسبب عماهم وقساوة عدم إيمانهم ، ولكن عندئذ ستفيض قلوبهم بالحياة والقوة فمرجع الصعوبة أذن ليس هو غموض المكتوب بل على للعكس لان الأقوال في ذاتها في منتهى البساطة والوضوح ، وإنما السبب كله راجع إلى عادة ما يطلق عليه <‏ روحنة > المكتوب - تلك العادة التى تأصلت في المسيحية منذ أيام أوريجن بين كنائس اليونان ، وجيروم بين كنائس اللاتين ، ولو أنها كانت تعمل خلسة منذ أقدم الأيام حينما كانت في صدام دائم مع الرسول بولس . والواقع أن عدم الأعتراف الكلي بالمجد الأرضي لشعب الله القديم كرجائهم العتيد تحت راية المسيا في عهدهم الجديد ، من شأنه الحط من مكانة المسيحية والكنيسة - تلك المكانة الجديدة التي لا تلمع بكل جلالها وعظمتها وسموها إلا علي قدر ما يكون لنا من شركة مع المسيح المقام الممجد والتمسك الراسخ به وبالوحدة معه في السماويات هذا وقد عالج الرسول بغاية القوة والوضوح الخطر الذي يتعرض له الأمم إذ يصيرون حكماء عند أنفسهم فينسون أن الأغصان الطبيعية إنما قد قطعت جزئياًً ولوقت محدود من زيتونتهم الخاصة . فالتمسك الراسخ بالمجد السماوي الجديد للكنيسة مع المسيح كمن مات وقام والآن ممجد في قمة السماء يصون المقام الأرضي المجيد للشعب القديم الذي سوف لا يملك معه في السماء بل يملك عليه صاحب الصولجان المنتظر عندما يظهر ثانية بالمجد كالرأس الغير المنازع لكل شئ في السماء أو في الأرض .
أما للشعب السماوي ( الذي أتحد بالمسيح بالروح القدس المرسل من السماء وصار واحداًً معه عن يمين العظمة في الأعالي كرئيس الكهنة العظيم الذي دخل إلي الأقداس عن طريق الحجاب المشقوق ) فإن الذبائح الأرضية والبخور المادي الأرضي والكهنوت الأرضي والأقداس الأرضية قد صارت كلها في خبر كان ولا تتفق مع مقامهم أو نسبتهم . ولكن لن يكون الأمر هكذا مع الشعب الأرضي أو الأمم الذين سيباركون في ظل مجده المنظور في اليوم الآتي سريعاًً . قد يتفلسف علماء اللاهوت ويتناولون هذا الفصل بكيفية معنوية . وقد يتعالي تلاميذهم عن قبول ما لا يقبل أختلاطاًً أو أمتزاجاًً مع تقاليدهم أو معتقداتهم ، ولكن كلمة الله هي من الوضوح بحيث أن كل إنسان خاشع متواضع مهما كانت معرفته قليلة يجب أن يقبل في بساطة الإيمان ما ستكون عليه الأرض من حالة واضحة محددة عندما تشرق عليها أيام السماء ، ولا يرفض هذا الحق الإلهي لمجرد أنه لا يستطيع أن يوائم بينه وبين نظامه الديني - ذلك النظام القائم علي مبدأ الأسلوب العقلي الذي مع الأسف نراه منتشراًً بكثرة حتى بين الذين يتفاخرون بمعارضتهم الشديدة لذلك النظام .
أما عن عودة ظهور هيكل هائل مركزي علي الأرض وكهنوت بشري وذبائح وغير ذلك من خواص الديانة الطقسية فهذا ما يبدو لي واضحاًً لا يحتمل الجدال في آخر سفر حزقيال . إني أعلم أن الغالبية العظمي من مسيحي الطوائف يعارضون هذه الفكرة . فقد ُيسمح لي أن أقول أنى مرة القيت نظرة على تعليق منشور في أحدى مجلاتهم على كتاب لى وقد خلع على الكاتب شيئاًً كثيراًً لا أستحقه من الاطراء والمذبح في نواح أخرى ولكنه كاد يتشكك في سلامة عقلى ويهمنى بالخيل في موضوع عودة الشعب القديم متجدداًً روحياًً ولكن بكهنة وذبائح مادية كسابق عهدهم 0 ولكن هذا لا يغير من الحق الألهى شيئاًً 0 وليس الأمر قاصراًً على جزء واحد مهما كان كبيراًً من الكتاب المقدس بل هناك المزامير والأسفار النبوية التى تفيض بالحديث عن العهد الجديد المرتقب حينما يكون الهيكل وخدماته وكهنوته لمجد الرب وحمده على أساس جديد ولكن في تشابه شديد مع الهيكل القديم 0 أما عن حزقيال 40 - 48 فأن شهادته هى من الوضوح والقوة حتى أن الدكتور هندرسون وهو الزعيم الدينى الكبير بين جماعات المنشقين اضطر لأن يسلم بأنه فيما يتعلق بالهيكل وطقوسه يجب أن تفسر الرؤية حرفياًً ولوأنه حاول أن يتناول بعض الأجزاء رمزياًُ 0 ولكن من الواضح أن هذا تناقص ناشئ عن عدم استقامة التفسير وأن الرؤية متجانسة وبريئة من هذا الخلط الذى يريد أن يلصقه الدكتور هندرسون كل البراءة 0
فالمدينة وتوزيع الأسباط وشفاء المياه ورجوع المجد الكروبى كلها تسير معاًً وتشير ليس إلي صورة غير كاملة لنواح معينة من الهيكل في حالته بعد السبى بل إلى التجديد المجيد وأزمنة رد كل شئ التى تكلم عنها الأنبياء القديسون منذ أبتداء العالم 0
وهنا ، كما نعلم ، وقع من يطلق عليهم آباء الكنيسة في خطأ جسيم حتى الذين كانوا ينتظرون مجئ الرب الثانى وملكه العتيد فوق الأرض 0 ولكن أحداًً منهم على ما ذكر ( وكما أوضح لك جلياًً صديقى الدكتور براون ) لم يشر إلي رجوع الشعب القديم إلى الأرض الميعاد بل على العكس احتضنوا هم أيضاًًالغلطة الأخرى القائلة بأن القديسين المقامين سيكونون في أورشليم 0 وهكذا بجهل اتفق خير من فيهم على محو رجاء الشعب القديم ورجاء الكنيسة العظيم مع شدة الفارق بين الاثنين 0 وهكذا كان الانحراف سريعاًً بين المسيحيين الأوائل عن الحقائق النبوية الواضحة 0 ولا عجب فالشيطان لا هم له في كل عصر وجيل إلا تشويه وتحريف الحق الإلهى 0 حتى أنه في أيام الرسل أنفسهم كاد الكثيرون ينسون علاقاتنا السماوية بالمسيح والحق الرئيسى الخاص بحضور الروح القدس وعمله في الكنيسة هناغ على الأرض 0 وكانت النتيجة أن تبلورت هذه الاضاليل كلها في المشروع القاتل الهدام وهو مشروع أعتبار الكنيسة إسرائيل بعد تحسينه أى أن الكنيسة قد حلت محل شعب إسرائيل وراح الكثيرون يعاماونها بل ويتعاملون معها بانتظام على أساس هذا الآعتبار وهذا الانحراف الكبير عن الحق هو من فعل الشيطان ولاشك 0 أما شهادة الله الواضحة فتنادينا نحن المؤمنين أن نتمسك برسوخ وبساطة برجوع الشعب القديم رجوعاًًحرفياًً كشئ متميز تماماًً عن المسيحية ، وهذا الأعتقاد فيه الضمان لسلامتنا ضد مبدأ الروحنية كما أنه المرآة التى فيها نرى أمتيازاتنا الخاصة السماوية 0 لقد ظن الآباء أن أورشليم في الملك الألفى ستكون مدينة القديسين السماويين ، وأن اليهود سيكونون مسيحيين ، وأن الكل سيكونون معاًً، مقامين وغير مقامين ، مالكين في المجد 0 فهل يعجب أحد إذا ما قام رجال مثل الدكتور براون وجندوا أنفسهم لدحض مثل هذا الخلط المتنافر بين الأمور السماوية والأرضية !
إن الكتاب المقدس يعلن في وضوح تام مصير كل من الفريقين ويحدد بكل دقة المكان الذى سيحتله كل منهما تحت راية المسيح ( أف 1 : 10 ) مع التمييز التام بين الجزء السماوى والجزء الأرضى ، إذ نرى القديسين الممجدين في الدائرة الأولى ، واليهود والأمم في الدائرة الثانية ، والكل تحت راية الرب يسوع عريس الكنيسة المقام 0 وإنها لغلطة خطيرة ألأن نخلط بين الأثنين ، ولا يقلل من خطورة هذه الغلطة ما وقع فيه البعض من خلط وتشويش فأنكروا الحق المعلن فيما يتعلق بكل من الفريقين ، الفريق السماوى والفريق الارضى 0 ولنلاحظ فوق ذلك أننا في حزقيال نرى هيكلا كما نرى مدينة للشعب الأرضى 0 وذلك بعكس ما نراه فيما يتعلق بالشعب السماوى 0 فما هو جدير بالملاحظة في هذا الشأن أننا في سفر الرؤيا حيث يطالعنا يوحنا بما يسمى صراحة العروس إمرأة الخرف ( أى الكنيسة أو المدينة السماوية التى يتكلم عنها يوحنا ) لا نرى هناك هيكلاًً 0 يتجلى الفارق حتى في المجد 0 وحيث يكون الهيكل على الأرض ، فهناك يكون الكهنوت أيضاًً 0وحيث الكهنوت فلا بد من الذبائح 0 وهذا هو عين الحال حتى فيما يتعلق بنا إذ الكهنوت الروحى والذبائح الروحية يسيران معاًً ( قارن عب 10 - 13 و1بط 2 : 5 ) 0 ومع ذلك فالكتاب لا يترك الأمر لمجرد المنطق والأستنتاج للحكم إذا كان هناك كهنة هرونيون وتقدمات وذبائح أم لا ولكنه يؤكد ذلك بل ويصفه وصفاًً دقيقاًً 0 ( قارن المزامير 96 : 8 ، 115 : 10 ، 118 : 26 و 27 ، 132 : 13 - 18 ، 135 : 19 - 21 ، أش 60 : 6 و7 و 13 ، 66 : 21 ، أر 33 : 18 ، حز 43 - 46 ، زك 14 : 16 - 21 ) 0 إن مصدر الصعوبة الرئيسى والعقبة الكبرى أمام الحق هو ذلك النظام الذى يرغم أن المسيحية هى المرحلة الأخيرة في تطور الأرض وتقدمها وأن الشهادة ستظل كما هى الآن حتى تتجدد الأرض كلها بما في ذلك اليهود الذين سيصرون مسيحين في آخر الأمر 0 وهذا شئ يتعارض على خط مستقيم مع ما يؤمن به كل دارس لكلمة الله باهتمام ، وهو أن دهراًً آخر سبلى الدهر الحاضر وأن ذلك الدهر سيتميز بخلاص شعب الله القديم - كشعب - مع بركة الأمم أيضاًً ، ولكن ليس كجزء من الجسد الواحد كما نعرفه الآن ، بل يكون اليهود في أرضهم مع الهيكل وطقوسه ويذهب جميع الأمم إلى هناك ليس فقط من سنة إلى سنة بل يكون لكل شعب منهم مكانه الخاص بمشيئة الله وإرادته . فعندما تتضح لكل متأمل نقطة الرجوع القومي للشعب القديم يصبح من الصعب عندئذ إنكار كهنتهم وهيكلهم ، وبخورهم وذبائحهم . كذلك نتعلم أنه كما جاءت تغييرات معينه بمجئ هيكل سليمان كذلك ستكون التغييرات أكثر وضوحاًً في هيكل المستقبل 0 فهناك صمت مطلق فيما يتعلق بعيد الخمسين في حين نرى عيد المظال يحتفل به باهتمام خاص عندما يصعد الأمم إلى هناك لعبادة الرب 0 وقد يتبارد للذهن أن هذا سيقلل من قيمة ذبيحة المسيح الكفارية ولكن لنعلم يقيناًً أن هذا كله لن يؤثر أدنى تأثير على ما الذبيحة المسيح من قيمة فاننا نثق كل الثقة أستناداًً على كلمة الله الثابتة إلى الأبد أن شيئاًً من عدم التقدير لن يمس هذه الذبيحة الكفارية الوحيدة ، ذلك لأن الذبائح المادية سوف لا يكون لها سوى صفة تذكارية لا يكون لها سوى صفة تذكارية لا أكثر ولاأقل 0 ففى ذلك اليوم لن يستخدم الإسرائيلى الصورة لإضعاف الحقيقة أو التهوين من أمرها ،بل سيعرف الجميع أنه لا يوجد شئ كفارى في هذه الذبائح كما نعرف نحن عدم وجودشئ من هذا القبيل في المعمودية أو العشاء الربانى 0 كذلك سيكون الأمر مع الأسرائيلى في ذلك اليوم 0 أما أنه سيكون لهم ذبائح فهذا أمر يعلنه الكتاب 0 وهو حق من حقائق الأيمان 0 وتبعاًً لذلك سيكون لهم كهنة مرة ثانية على الأرض 0 ومن المهم أن نلاحظ أن هذا لن يتداخل في راحتهم على ذبيحة المسيح 0 سواء فهمنا هذا أم لم نفهمه علينا أن نؤمن به ولا نحاول التخلص منه بتفسيرات من عندياتنا 0 أن القديسين منذ الفداء سيكونون في السماء ، وكذلك قديسو العهد القديم الذين يكونون عندئذ قد أقيموا من بين الأموات 0 أما على الأرض فسيكون أسرائيليو ذلك اليوم المتجددون ، في أجسادهم غير المتغيرة ، والأمم الباقون ، ليس بنفس الأمتيازات ، لأن الشعب القديم سيكون له عندئذ المكان الأفضل ، ولكن سيكون الكل مباركين بغنى فائض تحت راية المسيا الرب 0 ولما كانت هذه حالة تختلف كل الأختلاف عن المسيحية فسيكون فيها مركزان متميزان ، مركز سماوى وآخر أرضى ، بدلاًً من مركز واحد ومقام واحد كما هو الحال الآن 0
أما عن تفصيلات الذبائح الأسرائيلية المستقبلة فليس من الممكن توقع وجودها في كل مكان في الكتاب المقدس ، بل يكفى أن الله قد سر أن يعطى هذه التفصيلات موضحة توضيحاًً كاملا في نبوة واحدة 0 ومنها كان الغموض الذى يراه البعض في أماكن أخرى فأنه يستحيل القول بأن الأقوال الواردة في حز 43 : 18 ، 44 : 15 ، 45 : 15 - 25 ، 46 تترك أى شك حول تقديم الذبائح الدموية على مذبح الرب في الدهر الآتى 0
ويجوز لى أن ألاحظ بالاضافة إلى ما قلته سابقاًًأن التطبيق البابوى لملاخى 1 : 10 هو برهان قاطع على ما في نظرية < روحنة > الكتاب من شر فظيع 0 فهم يطبقونها على العشاء الربانى كما هو معروف وينتزعون منها عقيدة تحويل الخبز إلى جسد المسيح الحرفى 0 وهذا كان يمكن أن يكون بلا معنى أو قوة لولا الخطأ الشائع بين البروتستانت وهو أن موضوع الكلام هنا هو الكنيسة ، وهو خطأ قديم مستمد من كتابات الآياء 0 وكل ما فعله البابويون في هذا وغيره أنهم أخذوا أخطاء الكتاب القدماء ونسجوا منها نظاماًً أكثر خطراًً وأشد ضرراًً ، في حين لم يفعل البروتستانت أكثر من تبرئة أنفسهم جزئياًً من ذلك التدهور العام ولكن ما كان هذا ليكفي أن يقوم شهادة لسلطان كلمة الله وقوة الروح القدس .
< أما أنتم فمنجسوه ( اسم الرب ) بقولهم أن مائدة الرب تنجست > . وهكذا يستأنف الرب عنايته بعد أن أعلن الوعد المبارك بشأن العبادة الألفية بين الأمم ... < وقلتم ماهذه المشقة وتأففتم عليه رب الجنود . وجئتم بالمغتصب والأعرج والسقيم فأتيتم بالتقدمة . فهل أقبلها من يدكم ؟ قال الرب . وملعون الماكر الذي يوجد في قطيعه ذكر وينذر ويذبح للسيد عائباًً لأني أنا ملك عظيم قال رب الجنود واسمي مهيب بين الأمم > .

الأصحاح الثاني

إن العتاب الذي أنتهي به الأصحاح الأول يقود إلي عتاب آخر ولكنه عتاب لا زال يوجه إلي الكهنة بصفة خاصة . < كما الشعب كذلك الكهنة > . فإن كان الشعب ردياًً كان الكهنة أردأ كما هو الحال دائماًً . < الآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة > . فلم يكن الأمر قاصراًً علي تصرفهم الخارجي الخاطئ بل كانت المسألة أعمق من ذلك بكثير إذ كانت تتعلق بالضمير . فأين كان ضميرهم ؟ < هأنذا أنتهر لكم الزرع وأمد الفرث علي وجوهكم فرث أعيادكم فتنتزعون معه > . إن الرب يتحدث بأعظم عبارات الأحتقار عن الحالة الذرية التي سيوصلهم إليها كتأديب علي عدم أمانتهم < فتعلمون إني أرسلت إليكم هذه الوصية لكون عهدي مع لاوي قال رب الجنود > . ويذكر هنا لاوي عمداًً بسبب أمانته في أزمة العجل الذهبي بالمقابلة مع تصرف ذاك الذي كان من واجبه أن يكون أول الغيورين المهتمين بمجد الرب وأعني به هارون رئيس الكهنة . < كان عهدي معه للحياة والسلام وأعطيته إياهما للتقوي فأتقاني ومن اسمي أرتاع هو > . أن الرب يذكر الماضي فينظر إلي الوقت الذي فيه كرس لاوي خدمته لمجد الرب علي حساب كل عاطفة بشرية بعكس ما أظهره مرة من روح أنتقامية عنيفة في حادث أخته . وهنا نرى للمرة الثانية كيف أن الرب يرجع كما في الأصحاح الأول إلى أصل الأشياء 0 فهو يزن عيسو ويعقوب في البداية ويصدر حكمة عليهما في النهاية 0 وكذلك هو يعلن حكمة على لاوى والكهنة بنفس الطريقة ، فيقول < شريعة الحق كانت في فيه وأثم لم يوجد في شفتيه 0 سلك معى في السلام والأستقامة وأرجع كثيرين عن الأثم 0 لأن شفتى الكاهن تحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة لأنه رسول رب الجنود > 0 ثم يلى ذلك حكمة الخطيرة < أما أنتم فحدتم عن الطريق وأعثرتم كثيرين بالشريعة 0 أفسدتم عهد لاوى قال رب الجنود فأنا أيضاًً صيرتكم محتقرين ودنيئين عند كل الشعب كما أنكم لم تحفظوا طرقى بل حابيتم في الشريعة > 0
وكما تنجس القدس وخدامه وتقدماته بهذه الكيفية كذلك نرى حياة الشعب الأجتماعية وقد أنحطت تبعاًً لذلك 0 فهناك علاقة قوية ، بل أقوى علاقة ، بين أى دين فاسد أو لا دين وحياة الشعب العملية 0 < أليس أب واحد لكلنا؟ أليس إله واحد خلقنا ؟ فيلم يغدر الرجل بأخيه لتدنيس عهد آبائنا ؟ غدر يهوذا وعمل الرجس في أسرائيل وفى أورشليم لان يهوذا قد نجس قدس الرب الذى أحبه وتزوج بنت إله غريب > وعلى ذلك ، مع أنهم لم يكونوا وثنيين ، فأنهم أرتبطوا مع الأمم بأقرب علاقة في الحياة . < يقطع الرب الرجل الذي يفعل هذا ، الساهر والمجيب ، من خيام يعقوب ومن يقرب تقدمة لرب الجنود . وقد فعلتم هذا ثانية مغطين مذبح الرب بالدموع بالبكاء والصراخ فلا تراعى التقدمة بعد ولا يقبل المرضى من يدكم > يصف النبي بكاء الزوجات اليهوديات اللواتي طردهن أزواجهن بسبب الأمميات اللواتي أختاروهن لأنفسهم بدلاًً من زوجاتهم الأصليات وهي نفس الحالة في سفر عزرا وبصفة خاصة في سفر نحميا . إن قلب الشعب كان حقاًً مريضاًً بل كان أكثر مرضاًً مما كان في الأيام الأولي عندما واجههم أشعياء بالتهمة وألقي بها في أحضانهم .
وكذلك لم تكن البلادة الأدبية عندهم وعدم الأحساس الروحي أقل الآن من ذي قبل بل زادت . < فقلتم لماذا ؟ > . ومن العجب أنه لم يكن في استطاعتهم أن يروا موضع عيبهم < من أجل أن الرب هو الشاهد بينك وبين إمرأة شبابك التي أنت غدرت بها وهي قريبتك وإمرأة عهدك > . إن الأثنين - الزوج والزوجة - كان كلاهما في مستوى واحد أمام الرب . < أفلم يفعل واحد ؟ وله بقية الروح . ولماذا الواحد ؟ طالباًً زرع الله . فأحذروا لروحكم ولا يغدر أحد بإمرأة شبابه لأنه يكره الطلاق > . حقاًً ما أبعد الطلاق عن فكر الله وطرقه حتي في التدبير اليهودي ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! لقد أستسلموا لشهوتهم وأصبحت الذات كل هدفهم فأستخفوا بالطلاق حتي أرتفعت نسبته إلي حدها الأقصى بين اليهود في ذلك الوقت < وأن يغطي أحد الظلم بثوبه قال رب الجنود . فأحذروا لروحكم لئلا تغدروا > .
وهكذا نرى أنه كما يتناول الأصحاح الأول حياتهم الدينية يتناول الأصحاح الثاني لا سيما الجزء الأخير منه حياتهم الأجتماعية . وفي الحالتين نرى الخراب الكامل وقساوة القلب أمام الله . ومع ذلك فجدير بنا أن نلاحظ كيف أن الرب يربط الناحيتين معاًً ، الناحية الأجتماعية والناحية الدينية . وهو يبدأ بالأصل في الموضوع كله وهي الناحية الدينية . فإذا كانت النفس خاطئة أمام الله فلا أمل هناك للإنسان ولو في أقرب وأدق علاقات الحياة - وأعني بها العلاقة الزوجية .

الأصحاح الثالث

إذ نصل إلي الأصحاح الثالث نجده في الواقع يسير بنا حتى نهاية السفر إذ هو والأصحاح الرابع يكونان وحدة واحدة يعتبر الأصحاح الرابع فيها قسماًً أكثر منه أصحاحاًً منفصلاًً وهذا هو وضعه في التوراة العبرية . ونلاحظ أن العدد الأخير من الأصحاح الثاني يعتبر مقدمة للأصحاح الثالث إذ هو في الواقع يهيئنا لأستقبال ذاك الذي يقدمنا إلي يوم الرب ولذلك فإن العدد الأخير من الأصحاح الثاني يجب علي ما يبدو أن يكون العدد الأول من الأصحاح الثالث . < لقد أتعبتم الرب بكلامكم وقلتم بمََ أتعبناه . بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح في عيني الرب وهو يسر بهم أو أين إله العدل ؟ > .. هل يشكو أحد من نجاح الشر وتقدم أصحابه وسلامتهم . ها هو الجواب < هأنذا أرسل ملاكي > . أنها المقدمة هي التي نراها في هذا السؤال وجوابه . < فيهيئ الطريق أمامي ويأتي بغتة إلي هيكله السيد الذي تطلبونه > ... هنا نرى أكثر من مجرد ملاك أو رسول . هنا المسيا نفسه < ملاك العهد الذي تسرون به . هوذا يأتي قال رب الجنود . ومن يحتمل يوم مجيئه ومن يثبت عند ظهوره لأنه مثل نار الممحص ومثل أشنان القصار . فيجلس ممحصاًً ومنقياًً للفضة فينقي بني لاوي > . ( مبتدئاًً بمن كانوا أحوج الناس للتنقية وأقربهم إلي الرب ) < ويصفيهم كالذهب والفضة ليكونوا مقربين للرب تقدمة بالبر . فتكون تقدمة يهوذا وأورشليم مرضية للرب كما في أيام القدم وكما في السنين القديمة . وأقترب إليكم للحكم > . هنا نرى الرب ، إله الحكم والقضاء ، يتولي بنفسه الجواب علي التحدي الذي رأيناه في العدد الأخير من الأصحاح الثاني ( ص 2 : 17 ) فيقول ها أنا بنفسي أقترب إليكم للحكم . والواقع أن البركة هنا مرتبطة أولاًً وقبل كل شئ بحكم الرب ن وهو شئ مختلف كل الأختلاف عن الأنجيل . فالمسيحية ترينا المسيح حاملاًً حكمنا ودينونتنا وبالتبعية تأتي بالنعمة الكاملة للمؤمن فيما عدا ما يتعلق بحياته وسلوكه هنا علي الأرض . فإذ هو قد صار هكذا مقبولاًً علي أساس النعمة المطلقة فإنه يصبح خاضعاًً لحكم الله وسياسته التأدبية في حياته اليومية الأرضية ، ومن هنا كانت الحاجة إلي النمو من جانب الإنسان مع السهر والصلاة والحكم علي الذات ، وهناك الصبر من جانب الآب ثم تأديبه ، وفوق الكل كهنوت المسيح . ولكن هذا كله يفترض نفساًً مستريحة علي البر الإلهي ، نفساًً قد صار المسيح براًً لها وصار لزاماًً عليها أن تسلك تبعاًً لهذا المقام في ظل وتحت رقابة حكومة الله الأدبية ونوره الإلهي الفاحص . ولكن ذلك شئ مختلف عما نراه هنا حيث الحكم صنو البر .
وقد تمت في يوحنا المعمدان كما نعلم نبوة أرسال الملاك ( أو الرسول ) في الماضي وفي إيليا النبي ستتم علي ما يبدو في اليوم القادم . ولماذا نتناول هذه الأمور الخطيرة بالجدل العقلي ؟ دعنا نتقبل كلمة الله ببساطة . أننا بطبيعتنا مرتع خصب للصعاب ، ومن السهل علي عقولنا أن تثير العقبات في الطريق وتنسج الحجج لعدم تصديق ما هو معلن . ومع ذلك فأنا أعتقد شخصياًً أن الأمر واضح وهو أن إيليا كنبي سيرسل ولكن قبل مجئ الرب لنا إن الإنسان يرتكب خطأ عظيماًً إذ يخلط بين النعمة والحكم ، بين الحاضر والمستقيل . إن موضوع الكلام هنا هو المجئ للحكم وقد جاء الرب في مجيئه الأول بالنعمة وهو له المجد سيتمم شهادتها ومعاملاتها قبل أن يأتي بالحكم . فمجيئه الثاني سيكون بمثابة التكملة لعمل النعمة ، أعني أنه سيتوجعمله الجديد بنتائجه الأبدية . ثم بعد ذلك يأتي دهر جديد .
إني أعتقد أن نبوة الأصحاح الثالث تمت وقتذاك بمجئ يوحنا المعمدان ، ولكن لما كان موضوعها يشبه جداًً ما سيفعله إيليا في المستقبل فقد حرص الروح القدس علي أن يصيغها في هذه الصورة العامة التى تصلح للأمرين 0 وكأنى بالروح القدس ، رغم كل ما حدث من الشعب القديم ، لا زال في آخر سفر من أسفارهم ، وعلى يد ملاخى يقدم لهم مجئ الرب إليهم 0 لا شك أن تتميما جزئياًً لنبوة ملاخى قد حدث فىالماضى بمجئ يوحنا المعمدان وكذلك بمجئ السيد الرب للهيكل ( ص 3 ) ولكننا إذ نأتى إلى الآصحاح الرابع نجد من الجلى الواضح إن الأمر كله يتعلق بالمستقبل ، فالأصحاح الثالث يمس الماضى مساًً جزئياًً ولكننا ونحن نقرأه نشعر كأن الروح القدس يقف بنا منحين لآخر ليومئ إلينا في الأمر شيئاًً آخر غير الماضى ، وإن مجئ المسيح الأول لم يحقق كل ما قبل حتى في هذا المكان 0 اسمعه يقول < فتكون تقدمة يهوذا وأورشليم مرضية للرب كما في أيام القدم وكما في السنين القديمة > 0 ومن المعروف جيداًًكيف كان الأمر عند مجئ المسيح الأول بعيداًً كل البعد عن هذه الحقيقة 0 ولذلك فأن ما يلى يعطينا صورة تفوق بمراحل أى شئ يمكن أن يقال أنه تم عندئذاك من الحكم على أثم بين ذلك الشعب 00 < وأقترب إليكم للحكم وأكون شاهداًً سريعاًً على السحرة وعلى الفاسقين وعلى الحالفين زوراًًوعلى السالبين أجرة الأجير الأرملة واليتيم ومن يصد الغريب ولا يخشانى قال رب الجنود 0 لأنى أنا الرب لا أتغير فأنتم يابنى يعقوب لم تفنوا 0 من أيام آبائكم حدتم عن فرائضى ولم تحفظوها > 0 0
وعندئذ تأتى الدعوة للرجوع فيقابلها الشعب بجواب من العصيان العجيب 00 < فقلتم بماذا نرجع 0 ايسلب الأنسان الله 0 فأنكم سلبتمونى فقلتم بم سلبناك 0 في العشور والتقدمة > وهكذا يعاتبهم الله على أساس أقل مستوى فيقول 0 < قد لعنتم لعناًً وأياى أنتم سالبون ، هذه الأمة كلها 0 هاتوا جميع العشور إلى الخزانة ليكون في بيتى طعام وجربونى بهذا قال رب الجنود أن كنت لا أفتح لكم كوى السموات وأفيض عليكم بركة حتى لا توسع ( أى حتى لا يكون هناك موضع كاف لاستقبال البركة ) 0 وأنتهر من أجلكم الآ كل فلا يفسد لكم ثمر الأرض ولا يعقر لكم الكرم الذى في الحفل قال رب الجنود 0 ويطوبكم كل الأمم > 0 هكذا تكون الحالة في الدهر الألفى 0 وهكذا سيجدون الرب غنياًً لهم إلى هذا الحد 0 وسيذللون أنفسهم 0 ويثقون به ويتوكلون عليه 0 ويطوبهم كل الأمم أى يدعونهم مباركين < لانكم تكونون أرض مسرة > - الأمر الذى لم يكونوه أبداًً منذ كتابة هذا السفر 0 بل بالعكس < أقوالكم أشتدت على قال رب الجنود 0 وقلتم ماذا قلنا عليك 0 قلتم عبادة الله باطلة وما المنفعة أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود 0 والآن نحن مطوبون المستكبرين وأيضاًً فاعلو الشر يبنون 0 بل جربوا الله ونجوا > 0
ولكن الله في رحمته أستخدم شر الشعب العام لايقاظ ضمير البعض في وسطهم فمن بين البقية الراجعة كانت قلة تقية 0 < حينئذ كلم متقو الرب كل واحد قريبه والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة > ومن الواضح أن هذه الروح قد تحققت عند مجئ المسيح الأول 0 فهناك من أمثال حنة النبية وسمعان الشيخ ورعاة بيت لحم من تجلت فيهم بصورة دقيقة هذه المشاعر الروحية وقد أستطاعوا فعلاًً أن يتكلموا مع جميع المنتظرين فداء في أورشليم 0 وما حدث وعرف عندئذ على نطاق ضيق سيتم ويعرف على نطاق أوسع قبل أن يجئ السيد مرة ثانية ويأتي بيوم الرب العظيم المخوف
< ويكونون لي قال رب الجنود في اليوم الذي أنا صانع خاصة ( أو يكونون خاصتي قال رب الجنود في ذلك اليوم الذي أنا صانع جواهري ) . وأشفق عليهم كما يشفق الإنسان علي أبنه الذي يخدمه . فتعودون وتميزون بين الصديق والشرير ، بين من يعبد الله ومن لا يعبده > إن اليهود أنفسهم في ذلك اليوم لن يقفوا علي أساس مجرد كونهم يهوداًً ، فسيرون بطلان كل مظهر أو مقام خارجي وتنفتح عيونهم فلا يقدرون إلا ما هو من الله ويزداد رفضهم للأشرار وبالأكثر لأنهم يهود . والحق أن الأشرار وفعلة الأثم سيكونون مكرهة لكل ذي جسد بفضل حكم الله وقضائه في أورشليم كما نرى في نهاية أشعياء 66 ، ولكننا هنا نري تمييز هذا من ذاك حتي قبل وقوع الدينونة والقضاء أي أن قلوب الأتقياء ستدرك وتشعر بحقيقة ما سيفعله الله عند ما يأتي فعلاً بالدينونة والقضاء .

الأصحاح الرابع

< فهوذا يأتي اليوم المتقد كالتنور وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشاًً > . إن الكبرياء وفعل الشر مبغضان من الله أينما وجدا ، سواء بين اليهود أو بين الأمم بل لعلهما أكثر بغضاًً لديه من اليهود .. < ويحرقهم اليوم الآتي قال رب الجنود فر يبقي لهم أصلاًً ولا فرعاًً . ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها > ... هذا ليس كوكب الصبح ، أو الصورة التي نعرف بها نحن الرب يسوع وننتظره . فلا شك أن كوكب الصبح هو رجاء المتطلعين إلي السماء أثناء الليل في حين أن شمس البر هو الذي يجعل الناس يشعرون بقوة الله إذ يدعوهم لينشغل كل واحد بعمله علي الأرض . فالشمس هي لحكم النهار . ولذلك متى جاء يوم الرب فلا بد أن يحكمه شمس البر . وأنت لا يمكنك أن تتجنب ضوء الشمس ما لم تغلق عينيك وحتى عندئذٍِ لا يمكنك إلا أن تحس أحساساًً غريزياًً بوجوده . ولكن الأمر ليس هكذا مع كوكب الصبح . فعليك أن تتطلع إليه عندما يكون الآخرون نياماًً . وهذه هي الطريقة التي يصور لنا بها روح الله سهرنا وأنتظارنا للرب يسوع ... إنها طريقة سماوية مطلقة وتفترض وجود الإيمان والمحبة والرجاء بقوة الروح القدس الساكن فينا .
غير أننا نلاحظ ما هو أكثر من ذلك هنا .. < ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها فتخرجون وتنشأون كعجول الصيرة وتدسون الأشرار > هنا نلاحظ نتيجة مزدوجة : رحمة للأبرار ودينونة للأشرار . وذلك شئ لا ينطبق علي المسيحية أطلاقاًً . ففي المسيحية كل واحد محكوم عليه بصليب المسيح بأنه شرير إلي أن يقبل المسيح ، وعندئذ ، وبغض النظر عما كان قبلاًً ، يصبح مبرراًً بالإيمان ويدخل عهداًً جديداًً كل الجدة . ولكن ليس هناك أي قضاء علي الأشرار ولن يكون طالما كانت المسيحية مستمرة فالأمر كله يتعلق بالمستقبل ولن يتم ما نقرأعنه في ملاخي إلا عندما يستأنف الرب معاملاته مع الشعب القديم وتأتي الدينونة علي الأرض < وتدسون الأشرار لأنهم يكونون رماداًً تحت بطون أقدامكم يوم أفعل هذا قال رب الجنود > .
تأتي بعد ذلك نقطتان هامتان : أولاهما تذكر شريعة موسى . فهم يتطلعون إلي الوراء . والناموس هو المقياس للحكم علي كل تاريخهم الماضي . ثم يتطلعون إلي الأمام .. < هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي > . ومن هنا ، ولو أن الأمر يتعلق باسرائيل نرى الطريقتين المعينتين من الله للحكم الصحيح علي الحاضر - في ضوء الماضي وضوء المستقبل . فالأمر يستدعي دائماًً الإيمان للحكم بحسب الله . ومن أجل ذلك يستحضر ملاخي أدبياًً معطي الناموس ومستعيد الناموس ، عمودي الأمة اليهودية العظيمين ، ومهيئ الطريق أمام الرب الذي وحده يستطيع أن يمنح البركة ويصونها .
< فيرد قلب الآباء علي الأبناء وقلب الأبناء علي آبائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن > ... هذا هو الأنذار الرهيب المعطى هنا من قبل ذاك الذي هو نفسه أعظم بركة يمكن أن يمنحها . أن السماء والأرض وكل الأشياء ستتزعزع ولكن الرب يثبت إلي الأبد وطوبي لجميع المتوكلين عليه الذين يضعون ثقتهم فيه . ونحن نعلم أن رد كل شئ أدبياًً سيتم في قلوب الآباء والأبناء في شعب الله القديم وإن الرب سيجعلهم كحياة من الأموات للعالم ، وهكذا ينشر شفاءه المخلص بين جميع الأمم الذين سيتباركون ، وليس يلعنون ، في نسل الموعد ، الرب يسوع المسيح .
إن روح وقوة إيليا جاءت في ملاك ( أو رسول ) الرب ، يوحنا المعمدان ، الذي رد الكثيرين من أبناء اسرائيل إلي الرب إلههم . وصيغة الكلام عن يوحنا المعمدان في هذا الشأن تبدو كأنها مقصودة عمداًً لمنع تسرب الخطأ بأن المراد بها هو أرسالية إيليا النبي المتنبأعنها في ملاخي . لقد قال سيدنا نفسه < إن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي > . ومعني ذلك أن أرسالية يوحنا كانت شهادة للإيمان ( لمن يريد أن يقبل ) وليست تتميم كلمات ملاخي الأخيرة . وحتي في حالة سيدنا له المجد نرى أن كل ما كان فيها من بركة لامعة ومجيدة لاسرائيل تعطل بسبب عدم إيمان الشعب وهكذا فتح الباب برفضه لبركات سماوية لجميع المؤمنين بلا تمييز ، حتى أن رجوع اليهود الأدبي وقتئذ لم يكن إلا رجوعاًً جزئياًً أما غالبية الشعب فلم تكن تائبة وقد تراخت العلاقات العائلية وأنقطعت مما جعل الأرض تضرب باللعنة من ذلك التاريخ إلي يومنا الحاضر . ولكن الحال لن يدوم علي هذا المنوال ، لأن النعمة ستعمل في بقية قليلة مرة أخرى في الأيام الأخيرة عندما تتحقق أرسالية إيليا تحقيقاًً كاملاًً ( مت 17 : 11 ) وإذ يبيد المرتدين تحت القضاء الإلهي يخلص جميع الشعب لفرح وبركة الأرض وجميع ساكنيها . وهذا هو صوت جميع الأنبياء القديسين منذ أبتداء العالم .
ومن يتتبع الأنبياء الصغار من أولهم لآخرهم ، ويقارنهم بعضهم ببعض ، يجد بالأسف الشديد أن الحالة في المسيحية في الأيام الأخيرة لا تختلف كثيراًً عنها في أيام العهد القديم ، وأن نفس العلامات البغيضة التي كانت تنبئ بالدينونة القادمة في اليهودية هي هي التي نراها في النصرانية الحاضرة . وإن أمتلاكنا للكثير من الحق لا يضمن الآن كما لم يضمن حينئذاك أننا شهود حقيقيون لله ، كما أنه لا ينهض دليلاًً علي الأدعاء بأن لنا مقاماًً بحسب الله لأننا نشغل مركزاًً تاريخياًً معيناًً في المسيحية . ذلك ما كان يظنه الذين كسروا الناموس ورفضوا الأنبياء وقتلوا المسيا ورفضوا شهادة الروح القدس . فلنحترس من الوقوع في نفس الخطأ المميت ولنمتحن أنفسنا لنتأكد إذا كنا سالكين في الحق المميز الذي أعلنه لنا الله لمجده في المسيح ، وليس فقط في مجرد الحقائق التي مهما كانت هامة لا تضع الضمير موضع الفحص . إن وحدة اللاهوت قد حرفها اليهود لإهانة الأبن . والأبن كما كان علي الأرض تحت الناموس يساء فهمه الآن في دوائر المسيحية الأسمية لتشويه بركات الفداء والوحدة معه في الأعالي وحضور الروح القدس في كنيسة الله هنا علي الأرض والرجاء الدائم بمجئ المسيح . هذه هي الحقائق التي تمس أعماق قلب المسيحي وتملأ بالبهجة والسلام . ليتنا نوجد أمناء وأقوياء في النعمة التي لنا في المسيح يسوع . آمين ،












ا

stJJJv d,zdg

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
يوئيل, سفـــر

ايجى نت منتديات اختصار روابط مركز تحميل دليل مواقع باك لينك egynt
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:04 PM

اخر المواضيع

قصة مؤثرة جدا .. @ من فضلك لا تكلمنى عن المسيح بل اجعل المسيح يتكلم فيك @ اكتشف حالتك الصحية من خلال اظافرك @ مراض الاظافر وانواعها بالصور , وصفات وطرق علاج الاظافر المتشققة من الفطريات و @ فوائد الثوم على الريق لعلاج اكثر من 32 مرض فى اقوى موضوع على الانترنت @ اجمل التهانى القلبية بمناسبة عيد الشكر @ اجمل التهانى القلبية بعيد ميلاد مينا @ اجمل التهانى القلبية بالمولود الجديد يشوع مينا @ ايات اقوال من الكتاب المقدس @ ايات اقوال من الكتاب المقدس @ ايان متحركة رائعة @ 5 مشروبات تعالج القولون العصبي في لمح البصر @ بالصور.. أجمل 10 مناطق في العالم لايسكنها بشر @ انتقل الى الامجاد السماوية بتاريخ28/8/2014 الوالد نصيف جاداللة @ تعزيات السماء لانتقال الوالد الى الامجاد السماوية @ 5 مشروبات سحرية تحارب تقصف الشعر @ 7علامات تدل على أن كبدك منهك @ خاص بمحبي الأكل الحار.. هدىء فمك بهذه الطرق @ خاص بمحبي الأكل الحار.. هدىء فمك بهذه الطرق @ أهم العلاجات لتخفيف آلام الظهر @



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. Installation By Fountain-Life